الجمعة، 12 ديسمبر 2008

وسائل التحقيق الحديثة وحجيتها في الاثبات

وسائل التحقيق المستحدثة وأثرها في الإثبات
دراسة موضوعية لوسائل التحقيق الحديثة من حيث المفهوم وأثرها في الإثبات
إعداد
سامي بن فهد العقيلي
برنامج الدكتوراه في قسم السياسة الشرعية للعام 1429/1430






بسم الله الرحمن الرحيم
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا
ومن سيئات أعمالنا ..
من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له ،
وأشهد أن
لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله وسلم عليه
وعلى آله وصحبه أجمعين
المدخل :
لما كانت الأحكام القضائية وفروعها ومآخذها على وجه الخصوص محض إطلاقات وعموميات تتناول أنواعا" من الوقائع القضائية لا تنحصر كما " وكيفا"،وهي لا تقوم إلا معيّنة مشخّصة ولكل معيّن منها خصوصية ليست في غيره .
وهذا التعيين ليس معتبرا" في آحاد الأحكام بإطلاق ولا مطردا" بإطلاق
فحينا" هذا وحينا" ذاك وحينا" يأخذ من كل طرف بجهة .
ثم لا تبقى صورة أو قضية إلا وهي مشمولة بالإنتاج القضائي الذي يعرض للجرائم الثابتة والجرائم المفوضة ( التعزيرية) واكب ذلك وسائل مستحدثة للتحقيق الجنائي تختلف عن الوسائل التقليدية في التحقيق الجنائي
وقد أحدث استخدام التقنية الحديثة ثورة علمية في مجال الإثبات الجنائي
ولما كانت الآراء المتعلقة بهذه المسألة غير واضحة ولمعرفة ذلك
وجب الوقوف عليها واستقصاء آراء العلماء فيها ، فكان من المناسب إعداد مثل هذه البحوث المتعلقة بتلك الوسائل التي يبقى باب الاجتهاد فيها مفتوحا" يختلف باختلاف الوسائل وجدتها، والشكر بعد شكر الله لفضيلة شيخنا الدكتور ناصر الجوفان على إتاحة هذه الفرصة للدراسة والتحليل فجزاه الله عنا خيرا"

صعوبات البحث
وهنا لابد أن أسجل أن هناك صعوبات واجهتني في اعداد هذا البحث ومن أهمها
قلة المصادر التي تكلمت عن الموضوع في إطار التنظير القانوني المعمق
هناك بعض الأبحاث التي تناولت شي من وسائل التحقيق على جهة التفصيل والاستيعاب الفقهي مثل الدراسة المقدمة من الدكتور بندر بن فهد السويلم بعنوان (البصمة الوراثية وأثرها في النسب ) لكنها في الإطار القانوني لم تتعرض له بالدراسة والتحليل إلا النزر اليسير
وتشكل وسائل التحقيق الحديثة أهمية بالغة من جهة استخدامها للأساليب التي توظف التقنية وتستفيد منها ولا تعتد على ما يقوم به المحقق فحسب بل تتعداه لكل وسيلة تقنية تساعد على الوصول للأهداف المقصودة من التحقيق
المفهوم :
هناك مدلول باعتبار الإفراد وآخر باعتبار التركيب
الاعتبار الافرادي
الوسيلة :
جاء ذكر الوسيلة في كتب العربية كثيرا" كلها تنصب على مفهوم الذريعة
فقد جاء في لسان العرب ما نصه :
(الوسيلة :المَنْزِلة عند المَلِك.و الوسيلة الدَّرَجة.والوسيلة القُرْبة.)[1]
ومن هنا يمكن الوصول إلى بعض المرئيات المتعلقة بهذا الخصوص
أن كلمة الوسائل عرفت من القديم فقد عرفها الفقهاء في تقعيداتهم كما ورد في القاعدة المعروفة ( الوسائل لها حكم المقاصد) كما عرفها شراح الأنظمة والقانونين على حد سواء
أن هذه المفردة على قدمها لكن بتطور الوقت أخذت مفهوما" آخر يتعلق بالآليات والأساليب المعاصرة
ويمكن أن تلخص الوسيلة بأنها كل ما يتوسل به إلى أمر آخر
وقريب منه التعريف الاصطلاحي لمفردة ( الوسائل )
ويمكن تعريفها بأنها
( كل فعل لا يقصد لذاته ولكن يقصد للتوصل به إلى فعل آخر أو لتحصيل فعل آخر سواء كان هذا الفعل مصلحة أو مفسدة وسواء كان مشروعا" أو ممنوعا")[2]
وأما التحقيق
فهو في اللغة كما ذكره صاحب (الصّحّاح في اللغة)
( حقق الحَقُّ: خلاف الباطل.والحَقُّ: واحد الحُقوقِ.والحَقَّةُ أخصّ منه.)[3]
وأما التحقيق بالاعتبار الاصطلاحي فقد عرفها بعضهم بأنها
( السبل الموصلة لمعرفة الجاني في جناية ارتكبت أو شرع فيها وظروف ارتكابها بوسائل مشروعة من قبل جهة مختصة )[4]
وفي تقديري أن هذا التعريف مأخوذ بعدد من الملاحظات ومنها:
· أغفل التعريف ذكر الوسائل الموصلة لمعرفة الجناة في الجنح
· إدخال معرفة ظروف الجريمة أمر زائد لا علاقة له بصلب المفهوم
· ارتكاب الجريمة بوسائل مشروعة قيد ينطبق على جريمة غسل الأموال أكثر من انطباقه على وسائل التحقيق
التعريف المختار
أقرب ما يمكن تعريف وسائل التحقيق به هو أن يقال
وسائل التحقيق طرق وآليات معرفة من يقوم بالأفعال الجرمية
الضابط في استخدام الوسائل الحديثة في مجال التحقيق الجنائي
قبل الشروع في تعداد وسائل التحقيق الحديثة ومدى حجيتها في الإثبات لا بد من التنبيه إلى قاعدة عظيم وأصل عظيم ينبغي استحضاره ألا وهو احترام خصوصيات الناس
يركز هذا الضابط على عدم جواز مساس الوسيلة المستخدمة في هذا المجال بحياة الأفراد وخصوصياتهم أو انتهاك حقوقهم المادية والمعنوية إلا في حدود شرعية وضوابط مصلحيه [5] لأنها من الضروريات التي جاءت الشريعة بحفظها
يقول الإمام الشاطبي :
(والحفظ لها – يعني الضروريات – يكون بأمرين :
1- ما يقيم أركانها ويثبت قواعدها وذلك عبارة عن مراعاتها من جانب الوجود
2- ما يدرأ عنها الاختلال الواقع أو المتوقع فيها وذلك عبارة عن مراعاتها من جانب العدم ……
والجنايات ترجع إلى حفظ الجميع من جانب العدم )[6]
الوسائل الحديثة المستخدمة في التحقيق الجنائي
مفهومها
يراد بها الأساليب والآليات التي تستخدم فيها التقنية المعاصرة ولا تقف على ما يفعله المحقق ويقوم به في حال الاستجواب التقليدي
شروط استخدامها
· أن يأذن ولي الأمر أو من يقوم مقامه باستخدامها
· أن يتدرج المحقق في استخدامها
وهذه الوسائل الحديثة كبيرة الفائدة والتأثير كما أن بعضها ليس محصورا" في نطاق محدد أو في مجال ضيق
تطور وسائل التحقيق والبحث الجنائي
شهدت وسائل التحقيق والبحث الجنائي تطورا كبيرا" وملحوظا" حيث كانت في السابق تفتقد الوسائل والتقنيات الحديثة في كشف الجرائم .
فقد كانت وسيلة التحقيق الوحيدة هي التعذيب بكافة صوره
ثم تطور الوضع إلى الأخذ بالأدلة الشرعية والاعتماد عليها فأصبح التحقيق يقوم على مبادئ وقواعد شرعية وقانونية
مدى حجية هذه الوسائل في التحقيق الجنائي على جهة العموم
الأصل العام هو جواز استعمال هذه الوسائل في التحقيق الجنائي من الناحية الشرعية إلا أن هذه الوسائل لا يعتمد عليها بمفردها في إثبات الجرائم وذلك للاحتمالات الواردة عليه كالتلفيق والتزوير فإنه وارد في الوسائل البصرية وهو ما يسمى (بالدبلجة) وأيضا" في وسائل المعلوماتية وكما أن التقليد وارد في الوسائل السمعية وكذا الحذف والنقل عليه وهو ما يسمى (المونتاج)
إلا أنها تعتبر هذه الوسائل قرينة قوية على ارتكاب الجريمة
ومن الصعوبة بمكان ذكر هذه الوسائل على جهة الحصر لأنها متجددة ولا يمكن استقصاؤها مثلها مثل كافة القرائن المعاصرة التي تقوم على أساس أسلوب الاستشارات الفنية والبحوث والخبرة في مجال الإثبات والبحث الجنائي ومنها ما يلي :
التحقيق باستخدام البصمات
تعتبر البصمات إحدى الوسائل الفنية التي يعتمدها المجال الجنائي بغية
التوصل إلى تحديد شخص المجرم من خلال البحث عن صاحب البصمات أو
المقارنة مع بصمات المشتبه به ، والبصمة هي دليل مادي يمكن للمحقق
الحصول عليه من المشتبه به إذ لا يمس في الواقع بأي حق خاص من حقوقه[7]
ونظرًا لاعتبار أن البصمات من الأدلة الحديثة لذا لم يتعرض لها علماء
وفقهاء المسلمين السابقين في كتبهم ومؤلفاتهم . أما العلماء المحدثون فلم
يتعرضوا للبصمات إلا بشكل عارض عند حديثهم عن القرائن والأمارات
مدى الاعتماد عليها في الإثبات
يتبين الموقف من مدى الاعتماد عليها في الاثبات من خلال ما يلي :
· البصمات حجة قوية
نظرًا لما اختصها الله به من خواص ومميزات أدت إلى استحالة تطابقها بين شخصين بل وفي أصابع الشخص الواحد أيضًا
لأن وسائل الإثبات في الشريعة الإسلامية لم تأت على سبيل الحصر بل تشمل كل ما أبان الحق وأظهره
والبصمة كفيلة بإظهار الحق وإبانته حيث إن الأخذ بالبصمات في الإثبات
الجنائي أمر يتفق مع مقاصد الشريعة الإسلامية في الحفاظ على الضروريات
الخمس وأن عدم الأخذ بها فيه تسهيل على المجرمين وفتح للطريق أمامهم
لارتكاب جرائمهم مما يؤدي إلى انتشار الجريمة واستفحالها . كما أن
استخدام البصمة كدليل أمر يمر بمراحل كيميائية ومعملية مختلفة من إظهار
البصمة ورفعها ومضاهاتها مما لا تؤثر فيه نزعات البشر ورغباتهم
وسلوكهم فلا يتطرق إليها الكذب أو الغلط فدلالتها لا تتغير
· إلا أنه على الرغم من اعتبار البصمات قرينة قوية وحجة في الإثبات الجنائي في الشريعة الإسلامية فإنه لا يؤخذ على إطلاقه حيث إنه في جرائم الحدود والقصاص يجب الاحتياط حيال إثباتها بالبصمات لأن البصمة تعني وجود صاحبها في مكان الجريمة ولكن لا تعني أنه مرتكبها إلا أنه لها فائدة في مواجهة المتهم بها للحصول منه على اعتراف حيث لا يخفى أن أخذ البصمات من شأنه توفير دليل مؤيد أو نافٍ للشبهة وقابل للمناقشة والتبرير بالنظر للظروف المحيطة بالقضية [8]

التحقيق باستخدام البصمة الوراثية DNA
المفهوم
يعد مصطلح البصمة الوراثية من المصطلحات الحديثة فلا يوجد في الفقه الإسلامي تعريف للبصمة الوراثية لحداثة هذا المصطلح وقد عرفه بعض المعاصرين : البصمة الوراثية بأنها : تعيين هوية الإنسان عن طريق تحليل جزء أو أجزاء من حمض DNA المتمركز في نواة أية خلية من خلايا جسمه[9]
إلا أنه قد ورد تعريف له من قبل المجمع الفقهي الإسلامي لرابطة العالم الإسلامي
(البنية الجينية التي تدل على هوية كل إنسان بعينه )[10]
وهي من الوسائل الحديثة التي تتسم بالدقة
وعرفتها ندوة( الوراثة والهندسة الوراثية والجينوم البشري والعلاج الجيني رؤية إسلامية )[11] بتعريف قريب من ذلك لا يختلف عنه كثيرا"

مدى الاعتماد عليها في الإثبات
في المجال الجنائي تمثل البصمة الوراثية نورًا للعدالة ووسيلة لمنع
الظلم ورد الحقوق إلى أهلها والشريعة الإسلامية من مقاصدها العدل والإنصاف
حيث إن كل ما يحقق العدل ويظهر الحق من الشريعة يقول العلامة ابن قيم
الجوزية رحمه الله :
" لم يزل الحكام والولاة يستخرجون الحقوق بالفراسة
والعلامات فإذا ظهرت لم يقدموا عليها شهادة تخالفها ولا إقرار "[12]
وقد أفتى الفقهاء المعاصرون بجواز استخدام البصمة الوراثية في المجالات
المفيدة ومنها استخدامها لإثبات الجرائم ومن هذه الفتاوى :
١-أفتى المجمع الفقهي برابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة بجواز
الاعتماد على البصمة الوراثية واعتبارها وسيلة إثبات في الجرائم التي ليس
فيها حد شرعي ولا قصاص حيث ورد في القرار السابع من
قرارات الدورة السادسة عشر البند أولا ما يلي : " لا مانع شرعًا من الاعتماد على البصمة الوراثية في التحقيق الجنائي واعتبارها وسيلة إثبات في الجرائم التي ليس فيها حد شرعي ولا قصاص لحديث" ادرؤوا الحدود بالشبهات" وذلك يحقق العدالة والأمن للمجتمع ويؤدي إلى نيل المجرم عقابه وتبرئة المتهم وهذا مقصد مهم من مقاصد الشريعة[13]
وسوف انقل النص بالكامل لأنه اشتمل على ضوابط مهمة وقيود خاصة في هذا الباب :
القرار السابعبشأن البصمة الوراثية ومجالات الاستفادة منهاالحمد لله وحده والصلاة والسلام علي من لا نبي بعده ، أما بعدفإن مجلس المجمع الفقهي الإسلامي في دورته السادسة عشر المنعقدة بمكة المكرمة ، في المدة من 21-26/10/1422 هـ الذي يوافقه 5-10/1/2002 م ، وبعد النظر في التعريف الذي سبق للمجمع اعتماده في دورته الخامسة عشر ، ونصه (البصمة الوراثية هي البُنية الجينية ،التي تدل علي هوية كل إنسان بعينه ، وأفادت البحوث والدراسات العلمية أنها من الناحية العلمية وسيلة تمتاز بالدقة لتسهيل مهمة الطب الشرعي ، ويمكن أخذها من أي خلية ( بشرية ) من الدم ، أو اللعاب ، أو المني ، أو البول ، أو غيره . وبعد الإطلاع علي ما أشتمل عليه تقرير اللجنة التي كلفها المجمع في الدورة الخامسة عشر بإعداده من خلال إجراء دراسة ميدانية مستفيضة للبصمة والإطلاع علي البحوث التي قدمت في الموضوع من الفقهاء والأطباء والخبراء ،والاستماع إلي المناقشات التي دارت حوله ، تبين من ذلك كله أن نتائج البصمة الوراثية تكاد تكون قطعية في إثبات نسبة الأولاد إلي الوالدين أو نفيهم عنهما وفي إسناد العينة التي توجد في مسرح الحادث إلي صاحبها فهي أقوي بكثير من القيافة العادية ،وأن الخطأ في البصمة الوراثية ليس وارداً من حيث هي ،وإنما الخطأ في الجهد البشري أو عوامل التلوث ونحو ذلك وبناء علي ما سبق قرر ما يأتي : أولاً : لا مانع شرعاً من الاعتماد علي البصمة الوراثية في التحقيق الجنائي واعتبارها وسيلة إثبات في الجرائم التي ليس فيها حد شرعي ولا قصاص لخبر ( ادرؤوا الحدود بالشبهات ) وذلك يحقق العدالة والأمن للمجتمع ، ويؤدي إلي نيل المجرم عقابه وتبرئة المتهم ، وهذا مقصد مهم من مقاصد الشريعة . ثانياً : أن استعمال البصمة الوراثية في مجال النسب لابد أن يحاط بمنتهي الحذر والحيطة السرية ، ولذلك لابد أن تقدم النصوص والقواعد الشرعية علي البصمة الوراثية . ثالثاً : لا يجوز شرعاً الاعتماد علي البصمة الوراثية في نفي النسب ، ولا يجوز تقديمها علي اللعان . رابعاً : لا يجوز استخدام البصمة الوراثية بقصد التأكد من صحة الأنساب الثابتة شرعاً ، ويجب علي الجهات المختصة منعه وفرض العقوبات الزاجرة ، لأن في ذلك المنع حماية لأعراض الناس وصوناً لأنسابهم .خامساً : يجوز الاعتماد علي البصمة الوراثية في مجال إثبات النسب في الحالات الآتية : - حالات التنازع علي مجهول النسب بمختلف صور التنازع التي ذكرها الفقهاء ، سواء أكان التنازع علي مجهول النسب بسبب انتفاء الأدلة أو تساويها ، أم كان بسبب الاشتراك في وطء الشبهة ونحوه . - حالات الاشتباه في المواليد في المستشفيات ومراكز رعاية الأطفال ونحوها ، وكذا الاشتباه في أطفال الأنابيب . - حالات ضياع الأطفال واختلاطهم ، بسبب الحوادث أو الوارث أو الحروب ، وتعذر معرفة أهلهم ، أو وجود جثث لم يمكن التعرف علي هويتها ، أو بقصد التحقق من هويات أسرى الحروب والمفقودين . سادساً : لا يجوز بيع الجينوم البشري لجنس ، أو لشعب ، أو لفرد ، لأي غرض ، كما لا تجوز هبتها لأي جهة ، لما يترتب علي بيعها أو هبتها من مفاسد . سابعاً : يوصي المجمع بما يأتي : - أن تمنع الدولة إجراء الفحص الخاص بالبصمة الوراثية إلا بطلب من القضاء ، وأن يكون في مختبرات للجهات المختصة ، وأن تمنع القطاع الخاص الهادف للربح من مزاولة هذا الفحص لما يترتب علي ذلك من المخاطر الكبرى . - تكوين لجنة خاصة بالبصمة الوراثية في كل دولة يشترك فيها المختصون الشرعيون ، والأطباء والإداريون ، وتكون مهمتها الإشراف علي نتائج البصمة الوراثية ،واعتماد نتائجها . - أن توضع آلية دقيقة لمنع الانتحال والغش ، ومنع التلوث وكل ما يتعلق بالجهد البشري في حقل مختبرات البصمة الوراثية حتى تكون النتائج مطابقة للواقع ،وأن يتم التأكد من دقة المختبرات ، وأن يكون عدد المورثات ( الجينات المستعملة للفحص ) بالقدر الذي يراه المختصون ضرورياً دفعاً للشك ٢-أفتى الدكتور / نصر فريد واصل مفتى الديار المصرية الأسبق
بجواز الأخذ بالبصمة الوراثية حيث قال : " لا مانع شرعًا من إجراء البحوث
والعمل على توسيع البصمة الوراثية في المجالات الطبيعية المختلفة لأن
التصرفات المستخدمة النافعة مباحة شرعًا . للقاعدة الشرعية الأصل في
الأشياء الإباحة واستصحابًا لبراءة الذمة ومبدأ سلطان الإرادة في الإسلام إذ
يحق لكل إنسان أن يبرم ما يراه من العقود وينشئ ما يراه من التصرفات في
حدود عدم الضرر بالنفس أو الغير ولا يحرم منها ولا يبطل إلا ما دل الشرع
على تحريمه وإبطاله [14]
و بما أن البصمة الوراثية تعد قرينة يؤخذ بها سواء في إدانة المجرمين أو بتبرئة المدانين خطأ إلا أنه لا يجوز الأخذ بها لوحدها ما لم تعززها أدلة أخرى
فالبصمة الوراثية تفيد وجود المتهم في مسرح الجريمة لكنها لا تفيد ارتكابه
لها بطريق القطع واليقين وإنما على سبيل الشك والاحتمال[15]
وبناء عليه
لا أرى مانعا" من الأخذ بالبصمة الوراثية لكونها تندرج ضمن القرائن القوية التي يندر الخطأ فيها
التحقيق باستخدام وسيلة التسجيل والتصوير
من الملاحظ أن التسجيل والتصوير أصبحا واقعة من وقائع التحقيق والمحاكمة
التحقيق بقرينة التسجيل والتصوير
مفهوم التسجيل الصوتي
يقصد بالتسجيل الصوتي تسجيل الأصوات باستعمال أجهزة التسجيل
المستخدمة في تسجيل الصوت على شرائط يمكن سماعها فيما بعد وفي أي
وقت .

مدى الاعتماد عليها في الإثبات
التسجيلات الصوتية ناتجة عن التطور العلمي الحديث إلا أنه يمكن
استنباط حكم في مثل هذه المسألة بناء على ما جاءت به روح الشريعة
الإسلامية ومقاصدها فبالنسبة لجرائم الحدود والقصاص يكون إثباتها بواسطة
التسجيلات الصوتية أمر مستبعد تمامًا ويبطل الاستناد إليها كدليل مستقل
لإدانة من قدمت ضده وذلك لأن التسجيلات تتطرق إليها احتمالات التزوير
بعد اختراع وسائل التعديل والحذف والإصلاح في شرائط التسجيل وهو ما
يسمى (بالمونتاج) كما أن جرائم الحدود لا يقام الحد فيها على المتهم في حالة
عدوله عن إقرار فما بالك به ولم يقر[16]
فهذه كلها شبهة تدرأ إقامة الحد حسب قاعدة درء الحدود بالشبهات
وبالنسبة لجرائم التعازير فهي كذلك لا يمكن إثباتها بهذه الوسيلة لما قد
تتطرق إليها من احتمالات كالتزوير أو التقليد . كما أن في الأخذ بالتسجيلات
ترويع للآمنين وإثارة للقلق في نفوسهم وانتهاك لحرمات المسلمين وتعد على
كرامتهم . ولأن التجسس منهي عنه مهما كانت الوسيلة لقول الله تعالى :
﴿ وَلا َتجسسوا ﴾[17]
التصوير
مدى الاعتماد عليها في الإثبات
لم أجد في كتب الفقهاء أحكامًا تجيزه أو تمنع الأخذ بالتصوير كدليل من أدلة الإثبات في الدعوى الجنائية لأن دلالة الصورة على صاحبها دلالة واهية وضعيفة لا يعول عليها في إصدار الأحكام خصوصًا بما يتعلق بموجبات الحدود والقصاص لأن الصور الفوتوغرافية قد تدخل فيها أمور عدة :
منها: - احتمال التركيب بين الصور لمكانين مختلفين بطريق الدبلجة. - القدرة على الرسم بما يشبه الصورة.
وبناء عليه فهذه احتمالات تعد شبهًا تدرأ إقامة الحد إلا أنه يمكن اعتبار هذه الصور قرينة
ضد المتهم تخول السلطات المختصة التحقيق معه ومواجهته بهذه القرينة
للحصول على الاعتراف إن أمكن ذلك أو يعزره القاضي إذا تكونت لديه
القناعة بهذه القرينة[18] فمتى ما رأى القاضي ترجيح جانب الصورة في الإثبات لعدة مرجحات فله العمل بها وإن أمكن تعزيزها بغيرها فهو أولى، فالأمر راجع إلى ما يتمتع به القاضي من فطنة وذكاء. وكذا في حال التصوير في قضايا الحوادث المرورية. أما التصوير بكاميرات الفيديو: (الصوت والصورة) في إثبات الخطأ في الحوادث المرورية فإنه أولى بالاعتبار من الأدلة المادية الأخرى.
التحقيق باستخدام الكلاب البوليسية
مدى الاعتماد عليها في الإثبات
حال المتهم مقابل تعرف الكلاب الشرطية لا يخلو من أحد أمرين
الأمر الأول : أن يعترف المتهم بالتهمة المنسوبة إليه وهذا الاعتراف لا يخلو
من أن يكون اعترافه بسبب اعتداء الكلب عليه فاعترف خوفًا منه فهنا لا
اعتبار لهذا الاعتراف فهو بمثابة اعتراف المكره خصوصًا في موجبات
الحدود والقصاص أو أن يكون اعترافه اختياريًا أي دون خوف من الكلب
أثناء عملية التعرف وهنا يؤخذ المتهم بالجريمة المنسوبة إليه
الأمر الثاني : أن ينكر المتهم التهمة المنسوبة إليه وفي هذه الحالة لا يصح أن
يؤاخذ المتهم بهذا كدليل على ثبوت التهمة عليه وذلك لاحتمال خطأ الكلب.
بسبب تعبه أو جوعه أو أن الجاني الحقيقي قد ترك في مسرح الجريمة
متاعًا يتعلق بشخص آخر بهدف تضليل الكلاب البوليسية أو نثر مواد بها
رائحة فواحة بقصد إضاعة الأثر كما أن مقدرة الكلب في كشف الأثر
والتعرف على الجاني تعتمد على قوة تدريب الكلب وتعليمه وهذه تختلف من
كلب لآخر ومن مدرب إلى آخر بالإضافة إلى أن وجود المتهم في مكان
الجريمة لا يقطع بكونه الجاني [19]

التحقيق باستخدام مصل الحقيقة
المفهوم
مصل الحقيقة من العقاقير المخدرة التي تستخدم لإحداث نوع من التعطيل في التحكم الإرادي لدى الفرد مما يؤدي إلى حالة الاسترخاء التي تسلب فيها إرادة الشخص دون تأثير على إدراكه أو ذاكرته فيدلي بما في داخل نفسه أي أنه يسلب من الشخص الإدراك والتمييز وحرية الاختيار[20]
مدى الاعتماد عليها في الإثبات
هذه الوسيلة تعتبر من الوسائل العلمية الحديثة لكن ليس معنى هذا أن الفقه الإسلامي لم يضع في آرائه وأحكامه ما يخص هذه الوسيلة بل أن هناك مقاصد كثيرة تكفَّلت
بمعالجة مثل هذه الظاهرة وإن كانت لم تشر إلى هذه الوسيلة بالذات ولكنها
تبين حكم ما من شأنه المساس بجسد المتهم أو عقله أو كرامته وهو ما يقدره
الله سبحانه وتعالى في تكريم الإنسان من أجل ذلك وضعت الشريعة الإسلامية ما يحمي هذا العقل فلم تترك للبشر المساس به بأي وسيلة كانت ما دامت ستغير من
طبيعة العقل الذي خلقه الله وكرم الإنسان من أجله حتى ولو كانت لفترة
فالشريعة الإسلامية أكدت على عدم جواز إكراه المتهم للاعتراف بالجريمة من أجل الوصول إلى إقرار المتهم فإن ذلك ينصب على أي إكراه حتى ولو تحقق ذلك عن طريق استعمال مصل الحقيقة
ويؤيد ذلك ما قرره بعض الفقهاء بأن المكره نوعان:
أحدهما له فعل اختياري لكنه محمول عليه
الثاني ملجأ لا فعل له فهو كالآلة محصنة والمغلوب على عقله كمن يكون في حالة سكر ، أو جنون ، أو زوال عقل بشرب دواء ، أو بنج ، أو غضب شديد ، ونحو ذلك ففي هذه الحالة يكون مكرهًا إذا أقر بشيء[21]
لأن الله سبحانه وتعالى إنما رتب الأحكام على الألفاظ لدلالتها على
قصد المتكلم بها وإرادته فإذا ثبت أنه قصد كلامها ولم يقصد معانيها لم يجز
أن نجعله دليلا . والمتهم في حالة حقنه بمصل الحقيقة يكون مسلوب الإرادة
ولم يعد يملك حرية الاختيار لضعف السيطرة عليها[22]
وإن موقف القوانين الوضعية من استخدام مصل الحقيقة محل خلاف
حيث اختلف فقهاء القانون وتفرع هذا الخلاف إلى عدة آراء على النحو التالي :
الرأي الأول :
يتفق هذا الرأي مع الفقه الإسلامي في رفض استخدام هذه الوسيلة مع
المتهم للوصول إلى الاعتراف وذلك لما فيها من مساس بحرمة الشخص
وسلامته الجسدية
ويعلل أصحاب هذا الرأي رفض اللجوء إلى مصل الحقيقة بأنه قد يترتب عليه أضرار خطيرة بسلامة جسم الإنسان الذي يخضع لها لما
قد تسببه من أمراض قد تؤدي إلى الموت وذلك لما ينتج عن تفاعل للمواد
الكيماوية وتأثيرها على القلب والجهاز التنفسي[23]
الرأي الثاني:
ويتلخص في أنه يمكن استخدام هذه الوسيلة لكن بشرط رضاء المتهم
وفي حضور محاميه الذي يوضح له بأن النتيجة قد تكون في غير صالحه[24]
ويعلل أصحاب هذا الرأي بأن المتهم قد يتعرض لوسائل أخرى مشروعة فيها مساس بسلامته الشخصية مثل فحص الدم وغسيل المعدة ولم يعارض ذلك أحد
الرأي الثالث
ويتلخص في أن استخدام هذه الوسيلة يعد مشروعًا حتى ولو بدون رضاء
المتهم إلا أنه يعتبر ذلك إجراء استثنائيًا يجب ألا يلجأ إليه إلا في حالات
معينة مثل بعض الجرائم الخطيرة كجرائم أمن الدولة أو بالنسبة لبعض
المتهمين الخطرين
التحقيق باستخدام التنويم المغناطيسي
مدى الاعتماد عليها في الإثبات
يعتبر التنويم المغناطيسي وسيلة لقهر الإرادة وتعطيلها والاعتداء على جسم المتهم أو إكراهه بأي وسيلة من الوسائل للحصول منه على معلومات تفيد القضية أو تنسب الجريمة إليه يعتبر أمرًا محرمًا وإذا أقر المتهم في هذه الحالة فإن إقراره لا يترتب عليه أي أثر لأن الإسلام كفل حرمة الإنسان وحفظ كرامته [25]
لقول الله تعالى : ﴿ إِلاَّ من أُكْرِه وقلبه مطمئن بالإيمان )
ومن الملاحظ أن التصرفات التي يقوم بها المتهم وهو في حالة التنويم
المغناطيسي تشبه إلى حد كبير حالة النائم والمجنون وبناء عليه لو اعتبرنا
النائم مغناطيسيًا كالنائم فإنه لا يعتد بأقواله ولا أفعاله لأن ما حدث منه لم يكن
ناتجًا عن اختياره أو رضاه وإن اعتبرناه مصابًا بحالة عقلية فإنه أيضًا لا
يكون مسئولا شرعًا عما أحدثه أو أقر به لأن المسئولية الجنائية مصدرها
الوعي والإرادة الحرة والمنوم مغناطيسيًا لا وعي له ولا اختيار إضافة على
ذلك فإن التنويم المغناطيسي يشكل اعتداء على حرمة وسلامة جسم الإنسان
لما يقوم به المنوم من إكراه للمنوم للإدلاء بأقوال أو أفعال لا إرادية لم يكن
يفعلها أو يقولها لو كان في حالة الإفاقة أو اليقظة ، فالتنويم المغناطيسي يعتبر
جزءًا من الإكراه لأن الفقهاء يلحقونه به أو بالمجنون[26]
وإن كانت التصرفات والأقوال التي تصدر من النائم تحت تأثير التنويم المغناطيسي أقرب إلى الإكراه منها إلى الجنون وسواء اعتبرناه في حالة نوم أو إكراه فإن أي تصرف أو إقرار يصدر منه يكون لا أثر له [27]
ولا يختلف الأمر في الأنظمة عما هو في الشريعة الإسلامية[28]
وعلى ذلك فقد حرمت بعض التشريعات استخدام وسيلة التنويم المغناطيسي في أعمال الاستدلال أو التحقيق الجنائي لما يرون من أن هذه الوسيلة تنطوي على اعتداء على حرية المتهم وقهر لإرادته
التحقيق باستخدام جهاز كشف الكذب
تمكن العلم الحديث من ابتكار أجهزة ميكانيكية لها قدرة عالية على رصد التغيرات الانفعالية التي تعتري الشخص الخاضع لعملها والتي تصاحب عادة قول الكذب عن طريق أعضاء جسمه الذاتية ومن تلك الأجهزة الميكانيكية الحديثة جهاز كشف الكذب[29]
مدى الاعتماد عليها في الإثبات
يعتبر الإقرار هنا معترى بشبهة تعيبه وتهدر آثاره لأكثر من اعتبار
الأول : أن من حق المقر أن يرجع عن إقراره سواء كان هذا الرجوع قبل القضاء أو بعده لأن المقر قد أقر على نفسه بإرادته المطلقة فإذا رجع عن إقراره فلا يخلو من حالين :
· إما أن يكون صادقًا في الإقرار كاذبًا في الإنكار
· أو يكون كاذبًا في الإقرار صادقًا في الإنكار
وفي الحالتين فإن احتمال الصدق والكذب وارد وهذا الاحتمال يورث شبهة فإذا استندنا على التغييرات التي تطرأ على الشخص فإننا نكون قد تجاوزنا ما أخذت به الشريعة من عدم الأخذ بالإقرار الواقع تحت تأثير أي ضغط[30]
الثاني : أن التغييرات والانفعالات التي تحدث للشخص قد لا يكون لها أي صلة بالحرية أو الأسئلة الموجهة إلى الشخص وإنما قد تكون ناتجة عما يسببه الموقف النفسي للشخص أو الأمراض التي يعاني منها[31]
الثالث : أن ما ينتج من استخدام جهاز كشف الكذب هو عبارة عن قرينة ضعيفة لا تصل إلى مرتبة الدليل القاطع أو القرينة القوية فالشريعة لا تبنى أحكامها على القرائن الضعيفة وإنما على الأدلة الثابتة القاطعة والقرائن القوية.
لهذا نجد جمهور الفقهاء يذهبون إلى عدم قبول القرائن في مجال إثبات الحدود [32]
وألحق البعض جهاز كشف الكذب بعلم الفراسة لأنه يقوم على ملاحظة الانفعالات والتعبيرات النفسية التي تعتري الإنسان عند سؤاله وهو ما يحدث مع الفراسة من خلال ما يظهر على الإنسان من أعراض عند التحري عن صدقه أو كذبه
ويجاب عن ذلك :
أن جهاز كشف الكذب يتم استخدامه بطريقة آلية وبمقاييس علمية بينما تقوم
الفراسة على عمليات إسقاط التجربة على الغير[33]
واختلفت الآراء القانونية حول إمكانية استخدام جهاز كشف الكذب في المجال
الجنائي في التحقيق والقضاء
سبب الاختلاف :
يرجع هذا الخلاف إلى أن أغلب التشريعات لم تنص على استخدام جهاز كشف الكذب أو عدم استخدامه حيث انقسم الاتجاه من وجهات النظر المختلفة إلى رأيين :
الرأي الأول : يتلخص في استخدام جهاز كشف الكذب في الفقه والقضاء ويرى أصحاب هذا الاتجاه أن استخدام جهاز كشف الكذب في البحث الجنائي يكون مقبولا لأنه لا يتضمن أي اعتداء على المتهم وحريته فهو يقوم على قياس التغيرات والآثار التي تحدث للخاضع للاختبار ولا تؤثر على القاضي كما أن استخدام الجهاز لا يمس حقوق[34]
والحقيقة أنه لا يجب أن تقف التقاليد القضائية أمام التطور والاستفادة من كل جديد خاصة[35]
كما أن استخدام جهاز كشف الكذب في مرحلة الاستدلال أمر هام للغاية حيث يسفر عنه الكشف عن الحقيقة من خلال معرفة صدق المتهم من كذبه فإذا كان صادقًا اتجه البحث خلف المتهم الحقيقي وإن ثبت
كذبه اتجه إلى البحث والتحري عن أدلة أخرى كافية لإدانته وكشف كذبه
الرأي الثاني : أن استخدام جهاز كشف الكذب في الفقه والقضاء أمر مرفوض :
وهذا لاتجاه لا يعطي لنتائجه أية قيمة قانونية
التحقيق باستخدام قرينة المستندات الخطية
مدى الاعتماد عليها في الإثبات
التحقيق من قول الفقهاء أن الكتابة تعد من وسائل الإثبات في الحقوق للأدلة الدالة على ذلك من الأثر كآية الدين ومن النظر وهو حاجة الناس إليها ماسة لاستيفاء حقوقهم وإبراء الذمم، وقواعد الشريعة ومقاصدها تقتضيها لحفظ الحقوق ودفع الحرج. وفي حال الاعتراض على الكتابة بالتزوير فهي دعوى تحتاج إلى دليل وإلا فالأصل إلغاؤها التحقيق باستخدام قرينة محضر الشرطة المفهوم :
المحضر عبارة عن صورة صادقة لما يتم من إجراءات
وهو أعم من التقرير لاشتماله على الوقائع وكلام الخصوم وحججهم والجواب عنها. وقد يشتمل على رسم تخطيطي لمكان الحادث.

مدى الاعتماد عليها في الإثبات
للقاضي سلطة الاقتناع بما في المحضر أو عدم اقتناعه به، وله تركه والاعتماد على أدلة أخرى
والمحضر ليس بحد ذاته حجة لكنه أمر معين للقاضي في التعرف على ملابسات القضية كأن يكون فيه شهود عيان، أو قرائن مادية أو معنوية
وفي حال عدم اقتناع القاضي بما ورد في المحضر أو التقرير يطلب إثباته بوسائل أخرى. التحقيق باستخدام قرينة الفحص الطبي فحص الطب الشرعي في مجال الإثبات له دور بارز خاصة في مجال الجنايات وهو علم واسع يسمى (بالتشريح الجنائي)
مدى الاعتماد عليها في الإثبات
صدرت فتوى من هيئة كبار العلماء بجواز التشريح تحقيقاً لمصالح
واليك نصها :
قرار هيئة كبار العلماء رقم(47) وتاريخ 20/8/1396هـ حكم تشريح الميت المسلم
الحمد لله وحده، وصلى الله وسلم على من لا نبي بعده محمد وعلى آله وصحبه وسلم وبعدففي الدورة التاسعة لمجلس هيئة كبار العلماء المنعقدة في مدينة الطائف في شهر شعبان عام 1396هـ جرى الاطلاع على خطاب معالي وزير العدل رقم(3231/2/خ) المبني على خطاب وكيل وزارة الخارجية رقم(34/1/2/13446/3) وتاريخ 6/8/1395هـ المشفوع به صورة مذكرة السفارة الماليزية بجدة- المتضمنة استفسارها عن رأي وموقف المملكة العربية السعودية من إجراء عملية جراحية طبية على ميت مسلم؛ وذلك لأغراض مصالح الخدمات الطبية. كما جرى استعراض البحث المقدم في ذلك من اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، وظهر أن الموضوع ينقسم إلى ثلاثة أقسام: الأول: التشريح لغرض التحقق من دعوى جنائية. الثاني: التشريح لغرض التحقق من أمراض وبائية؛ لتتخذ على ضوئه الاحتياطات الكفيلة بالوقاية منها. الثالث: التشريح للغرض العلمي تعلماً وتعليماً. وبعد تداول الرأي والمناقشة ودراسة البحث المقدم من اللجنة المشار إليها أعلاه- قرر المجلس ما يلي: بالنسبة للقسمين الأول والثاني: فإن المجلس يرى: أن في إجازتهما تحقيقاً لمصالح كثيرة في مجالات الأمن والعدل ووقاية المجتمع من الأمراض الوبائية، ومفسدة انتهاك كرامة الجثة المشرحة مغمورة في جنب المصالح الكثيرة والعامة المتحققة بذلك، وإن المجلس لهذا يقرر بالإجماع:إجازة التشريح لهذين الغرضين، سواء كانت الجثة المشرحة جثة معصوم أم لا. وأما بالنسبة للقسم الثالث: وهو التشريح للغرض التعليمي فنظراً إلى أن الشريعة الإسلامية قد جاءت بتحصيل المصالح وتكثيرها، وبدرء المفاسد وتقليلها، وبارتكاب أدنى الضررين لتفويت أشدهما، وأنه إذا تعارضت المصالح أخذ بأرجحها. وحيث إن تشريح غير الإنسان من الحيوانات لا يغني عن تشريح الإنسان. وحيث إن في التشريح مصالح كثيرة ظهرت في التقدم العلمي في مجالات الطب المختلفة: فإن المجلس يرى: جواز تشريح جثة الآدمي في الجملة، إلا أنه نظراً إلى عناية الشريعة الإسلامية بكرامة المسلم ميتاً كعنايتها بكرامته حياً؛ وذلك لما روى الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجة عن عائشة رضي الله عنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" كسر عظم الميت ككسره حياً". ونظراً إلى أن التشريح فيه امتهان لكرامته، وحيث إن الضرورة إلى ذلك منتفية بتيسر الحصول على جثث أموات غير معصومة: فإن المجلس يرى الاكتفاء بتشريح مثل هذه الجثث، وعدم التعرض لجثث أموات معصومين والحال ما ذكر. والله الموفق، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. [36]
التحقيق باستخدام قرينة مادية عموما اتجهت الدراسات الحديثة إلى الاستفادة من الوسائل الحديثة لإثبات الجريمة وكشف مرتكبيها من خلال الآثار المادية التي يتركها الجاني في مكان الجريمة.
والآثار المادية نوعان: أ/ آثار مادية ظاهرة.
ب/ آثار مادية خفية. أولاً: الآثار المادية الظاهرة مثل: آثار الشعر قرينة المقذوفات النارية قرينة آثار الآلات وكلها من القرائن الضعيفة لأنها مبنية على الظن والتخمين ثانياً القرائن المادية الخفية وتختلف باختلاف القرينة فمثلا القضاء بقرينة آثار بالبقعة الدموية من أهم الآثار المادية التي يجدها المحقق في موضع الحادث، والتي يتعين عليه فحصها لتقديم معلومات تفيده في الكشف عن الجاني وهل هي من دمه أو دم المجني عليه.
وتعتبر البقعة الدموية قرينة قوية ضد المتهم: إذا وجدت البقعة الدموية المطابقة لفضيلة المجني عليه على المتهم أو ما يتعلق به.
وأرى من المناسب التعرض لمفهوم القرائن وحجية العمل بها عند الفقهاءوعرفها مصطفى الزرقاء[37] بقوله (كل أمارة ظاهرة تقارن شيئاً خفياً تدل عليه)وتعريفات الفقهاء متقاربة ولعل هذا أقربها
حكم العمل بالقرائنللفقهاء في ذلك قولان: الأول جواز العمل بها في طرق الإثبات
وهو قول بعض الحنفية وابن فرحون من المالكية والعز بن عبد السلام من الشافعية وابن القيم من الحنابلة. الثاني منع العمل بالقرائن
وهو قول بعض متأخري الحنفية والقرافي من المالكية. الترجيح
القول الراجح هو جواز العمل بالقرائن للأثر والنظر
الأثر
ما ورد في قصة يوسف عليه السلام كوجود الدم على قميصه قرينة على كذبهم. وكذا قصته مع امرأة العزيز ومن المعقول:
إن عدم الأخذ بالقرائن يؤدي إلى ضياع الحق خاصة في العصور المتأخرة حيث كثرت وسائل التحايل والتستر وقلب الحقائق. والعمل بالقرائن ليس على إطلاقه وإنما هو مشروط في حال عدم وجود بينة أقوى منها وعندما تكون الأدلة عند القاضي غير كافية. والعمل بالقرائن لا يعني التوسع فيها وإنما في نطاق ضيق إذا دعت إليها الحاجة.







الخاتمة
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات وبعد
فهذه أهم النتائج التي تم التوصل إليها من خلال هذا البحث :
١- من خلال استخدام وسائل التقنية الحديثة والتي ليس فيها مساس بإرادة
المتهم وسلامته يتضح أن هناك اتفاق بين الشريعة الإسلامية
والقوانين الوضعية في استخدام بعض الوسائل مثل رفع البصمات
وآثار الدم حيث استقر التطبيق العلمي عليها وتجاوزت الخلاف بحجة
عدم مساسها بسلامة جسد المتهم
٢- إن الشريعة الإسلامية حرمت كل طريقة ووسيلة للتعذيب مهما كانت
صيانة لحرمة حياة الإنسان وكرامة له من سلب الإرادة
وهذا ما حرصت عليه التشريعات
الوضعية أخيرًا ونصت على عدم الاعتداء على المتهم للحصول منه
على اعتراف
٣- إن الشريعة الإسلامية موقفها واحد أمام كل وسيلة تثير القلق في
النفوس وتنتهك حرية الإنسان وكرامته بينما نجد في القانون الوضعي
أنه يثور خلاف حول شرعية استعمالها
٤- إن الشريعة الإسلامية وروح مقاصدها لا تعتبر النتائج المتحصل عليها
من وسائل التقنية دليلا مستقلا لإدانة المتهم بل تعتبره قرينة تعزز
وتدعم قرائن أخرى بينما نجد القوانين الوضعية وإن سارت في بعض
الاتجاه على ذلك إلا أنه يوجد خلاف بين رجال القانون حول الاستفادة
من النتائج المتحصل عليها بين مؤيد ومعارض
٥- إن الشريعة الإسلامية حرمت الاعتداء على المتهم بأي وسيلة وبغير
حكم قضائي واعتبرت أي اعتراف جاء نتيجة للإكراه لا يعتَّد به شرعًا
وهذا ما أقرته القوانين الوضعية بعد نضال طويل



















أهم المراجع - القضاء بالقرائن المعاصرة/ رسالة دكتوراه بالمعهد العالي للقضاء/ عبد الله سليمان العجلان. - البصمة الوراثية وحجيتها/ بحث في مجلة العدل العدد 23(1425هـ) عبد الرشيد قاسم. - البصمة الوراثية كدليل أمام المحاكم/ بحث في مجلة البحوث الأمنية العدد (19) د. إبراهيم الجندي. - كشف الجريمة بالوسائل الحديثة/ عبد العزيز حمدي/ عالم الكتب-القاهرة. - الإثبات والتوثيق أمام القضاء/بحث من إعداد/ عبد الرحمن بن عبد العزيز القاسم – مطبعة السعادة.
- أثر الإثبات بوسائل التقنية الحديثة على حقوق الإنسان
دراسة تأصيلية مقارنة تطبيقية
إعداد فيصل بن مساعد العنزي
- الأدلة المتحصلة من الوسائل الالكترونية في اطار نظرية الاثبات الجنائي
د علي بن محمود بن علي حمودة
- التحقيق وجمع الأدلة في مجال الجرائم الالكترونية
د محمد أبو العلا عقيدة
- التحقيق في جرائم الحاسوب
كمال بن أحمد الكركي






[1] لسان العرب (13/254)
[2] وسائل التحقيق المستحدثة وأثرها في التحقيق الجنائي في مرحلتي الاستدلال والتحقيق الابتدائي ص40
[3] الصحاح في اللغة (8/37)
[4] وسائل التحقيق المستحدثة وأثرها في التحقيق الجنائي في مرحلتي الاستدلال والتحقيق الابتدائي ص47
[5] وسائل التحقيق المستحدثة وأثرها في التحقيق الجنائي في مرحلتي الاستدلال والتحقيق الابتدائي ص 47
[6] تهذيب الموافقات للشاطبي تهذيب محمد الجيزاني دار ابن الجوزي ط 1 1421هـ ص 114
[7] أثر الإثبات بوسائل التقنية الحديثة على حقوق الإنسان دراسة تأصيلية مقارنة تطبيقية إعداد فيصل مساعد العنزي ص161
[8] حقوق الإنسان في الدعوى الجزائية مصطفى العوجي مؤسسة نوفل بيروت ط1989م ص951
[9] البصمة الوراثية وعلاقتها الشرعية سعد الدين هلالي ص35

[10] قرارات المجمع الفقهي الإسلامي : القرار السابع بشأن البصمة الوراثية. الدورة السادسة عشرة21-26/10م1422 مكة المكرمة
[11] الموقع الالكتروني للمنظمة الإسلامية للعلوم الطبيةislamset.com
[12] الطرق الحكمية في السياسة الشرعية ص32

[13] البند أولاً من القرار السابع من قرارات الدورة السادسة عشرة المنعقدة بمقر رابطة العالم الإسلامي ، بمكة المكرمة للفترة
من ٢١ - ٢٦ / ١٠ / ١٤٢٢ ه الموافق ٥ – ١٠ / ١/ ٢٠٠٢ م

[14] البصمة الوراثية ومجالات الاستفادة منها نصر فريد واصل بحث مقدم لمؤتمر الدورة السادسة عشرة للمجمع الفقهي الإسلامي بمقر رابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة للفترة من ٢١ - ٢٦ / ١٠ / ١٤٢٢ ه الموافق ٥ – ١٠ / ١/ ٢٠٠٢ م ، ص ٨ .
[15] مدى حجية البصمة الوراثية في الإثبات الجنائي في القانون والفقه الإسلامي إبراهيم أبو الوفا بحث مقدم لمؤتمر الهندسة الوراثية بين الشريعة والقانون المنعقد في جامعة الإمارات للفترة من ٢٢ - ٢٤ / صفر / ١٤٢٣ ه ، الموافق ٥ – ٧ مايو ٢٠٠٢ م مجلد ٢ ، ص ٢١
[16] حجية القرائن في الشريعة الإسلامية ، عدنان حسن عزايزة: ص 174
[17] الحجرات 12

[18] حجية القرائن في الشريعة الإسلامية ، عدنان حسن عزايزة ص207
[19] القرائن ودورها في الإثبات في الفقه الإسلامي ، أنور محمود دبور ص ٢١٨

[20] المسؤولية الجنائية في القانون الوضعي والشريعة الإسلامية محمد آمال الدين إمام: دار البحوث العلمية ، الكويت ، الكويت ،ط ١ ، ١٩٨٣ م ص ٤٠٣

[21] ابن القيم : أعلام الموقعين عند رب العالمين ، ج ٤ ، ص ٥٣ .

[22] المسؤولية الجنائية في القانون الوضعي والشريعة الإسلامية محمد آمال الدين إمام: دار البحوث العلمية ، الكويت ، الكويت ،ط ١ ، ١٩٨٣ م ص436
[23] الكشف عن الجريمة بالوسائل العلمية الحديثة جودة حسين جهاد: ( دار النهضة العربية، القاهرة ، مصر ، د ط ، ١٩٩٢ م )ص ٦٩ .

[24] الكشف عن الجريمة بالوسائل العلمية الحديثة جودة حسين جهاد ، ص ٧٢ .
[25] نظرية الإرادة المنفردة في الفقه الإسلامي ، بحث مقارن بين المذاهب عبد المجيد مطلوب: ( النفائس للتجارة والنشر ، القاهرة ،مصر ، د . ط ، ١٩٨٧ م ) ص ٧٧
[26] التشريع الجنائي الإسلامي مقارناً بالقانون الوضعي ، عبد القادر عودة: ج ١ ، ص ٥٩ .
[27] المرجع السابق ، ج ١ ، ص ٥٩٢ .
[28] حسن صادق المرصفاوي : المحقق الجنائي ( منشأة المعارف ، الإسكندرية ، مصر ، ط ٢ ، ١٩٩٠ م ) ص ٩٥ .
[29] علم النفس الجنائي تأصيلاً وتحليلاً محمد فتحي ( مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر ، القاهرة ، مصر ، ط ٢ ، ١٩٤٣ م )ص ١٨٩
[30] بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع علاء الدين أبو بكر بن سعود الحنفي الكاساني : دار الكتاب العربي ، بيروت ، لبنان ، ط ٢ ، ١٩٨٢ م ج ٧ ، ص ٦١

[31] النظرية العامة للإثبات العلمي حسين محمود إبراهيم: ، ص ١٢٦ .

[32] الجامع لأحكام القران أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي ( دار الكتاب العربي للطباعة النشر ، د ط ، د ت ) ج ١ ، ص ٤٤ .

[33] مشروعية الأدلة المستمدة من الوسائل العلمية ، حسن علي حسن السمني ، : ٧٦٠

[34] اعتراف المتهم ، سامي صادق الملا : ص ١٣٠ .

[35] النظرية العامة للإثبات العلمي ، حسين محمود إبراهيم : ص ١٤٢ .

[36] أبحاث هيئة كبار العلماء: المجلد الثاني 83-85
[37] المدخل الفقهي العام (2/918)

الاثنين، 24 نوفمبر 2008

غسيل الاموال


جريمة غسل الأموال


دراسة موضوعية لمفهومها والجرائم ذات الصلة بها وآثارها

إعداد سامي بن فهد العقيلي برنامج الدكتوراه في قسم السياسة الشرعية للعام الدراسي 1429/1230هـ






جريمة غسل الأموال
دراسة موضوعية لمفهومها والجرائم ذات الصلة بها وآثارها
إعداد
سامي بن فهد العقيلي
برنامج الدكتوراه في قسم السياسة الشرعية للعام الدراسي 1429/1230هـ

















بسم الله الرحمن الرحيم
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا
ومن سيئات أعمالنا ..
من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له ،
وأشهد أن
لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله وسلم عليه
وعلى آله وصحبه أجمعين
المدخل :
لما كانت أحكام فروع المآخذ القضائية على وجه الخصوص محض إطلاقات وعموميات تتناول أنواعا" من الوقائع القضائية لا تنحصر كما " وكيفا".
وهي لا تقوم إلا معيّنة مشخّصة ولكل معيّن منها خصوصية ليست في غيره .
وهذا التعيين ليس معتبرا" في آحاد الأحكام بإطلاق ولا مطردا" بإطلاق
فحينا" هذا وحينا" ذاك وحينا" يأخذ من كل طرف بجهة .
ثم لا تبقى صورة أو قضية إلا وهي مشمولة بالإنتاج القضائي يعرض للجرائم الثابتة والجرائم المفوضة ومنها (جريمة غسل الأموال) التي تعتبر من أهم وأخطر الجرائم المالية في العصر الحديث
وقد اعتمدت في بحثي هذا أن يكون قراءة تحليلية للنظام الخاص بها وهو نظام مكافحة غسل الأموال الصادر بالمرسوم الملكي رقم م/39 في25/6/1424
رغبة مني في الاستفادة من هذا النظام بشكل مكثف والاعتماد على إشاراته وإيماءاته مع الرجوع إلى بعض المراجع والمصادر التي عالجت الموضوع والاستئناس بها


















مفهوم غسل الأموال ( تبيض الأموال)
غسيل الأموال هو نشاط إجرامي لاحق لنشاط جمع مال بطرق غير مشروعة، وخوفا من المسائلة عن مصدر الأموال كان لزاما إضفاء مشروعية على هذا المال حتى يسهل التعامل معه من دون إضفاء الشكوك والأدلة القانونية على الأعمال الجرمية السابقة.
تعريف غسيل الأموال
غسيل الأموال هي إعادة تدوير الأموال الناتجة عن الأعمال غير المشروعة في مجالات وقنوات استثمار شرعية لإخفاء المصدر الحقيقي لهذه الأموال ولتبدو كما لو كانت قد تولدت من مصدر مشروع ومن أمثلة هذه الأعمال غير المشروعة (الأموال الناتجة عن تجارة المخدرات - الرقيق - الدعارة - الأسلحة) ومن أبرز الآثار المترتبة على هذه الظاهرة اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً ما يلي:
استقطاعات من الدخل القومي ونزيف للاقتصاد الوطني لصالح الاقتصاديات الخارجية.
زيادة السيولة المحلية بشكل لا يتناسب مع الزيادة في إنتاج السلع والخدمات.
التهرب من سداد الضرائب المباشرة ومن ثم معاناة خزانة الدولة من نقص الإيرادات العامة عن مجمل النفقات العامة.
شراء ذمم رجال الشرطة والقضاء والسياسيين مما يؤدي إلى ضعف كيان الدولة واستشراء خطر جماعات الإجرام المنظم

جرائم غسيل الاموال ( Money Laundering )
تعتبر جرائم غسيل الاموال ( Money Laundering ) اخطر جرائم عصر الاقتصاد الرقمي ، انها التحدي الحقيقي أمام مؤسسات المال والاعمال ، وهي ايضا امتحان لقدرة القواعد القانونية على تحقيق فعالية مواجهة الانشطة الجرمية ومكافحة انماطها المستجدة ، وغسيل الاموال ، جريمة ذوي الياقات البيضاء ، تماما كغيرها من الجرائم الاقتصادية التي ترتكب من محترفي الاجرام الذين لا تتواءم سماتهم مع السمات الجرمية التي حددتها نظريات علم الاجرام والعقاب التقليدية.
وغسيل الاموال ايضا ، جريمة لاحقة لانشطة جرمية حققت عوائد مالية غير مشروعة ، فكان لزاما اسباغ المشروعية على العائدات الجرمية او ما يعرف بالاموال القذرة ، ليتاح استخدامها بيسر وسهولة ، ولهذا تعد جريمة غسيل الاموال مخرجا لمازق المجرمين المتمثل بصعوبة التعامل مع متحصلات جرائمهم خاصة تلك التي تدر اموالا باهظة ، كتجارة المخدرات وتهريب الاسلحة والرقيق وانشطة الفساد المالي ومتحصلات الاختلاس وغيرها. وتجدر الاشارة هنا ان الذهن العام بخصوص جرائم غسيل الاموال ارتبط بجرائم المخدرات ، بل ان جهود المكافحة الدولية لغسيل الاموال جاءت ضمن جهود مكافحة المخدرات ولهذا نجد ان موضع النص دوليا على قواعد واحكام غسيل الاموال جاء ضمن اتفاقية الأمم المتحدة المتعلقة بمكافحة المخدرات ، ومبرر ذلك ان انشطة المخدرات هي التي اوجدت الوعاء الاكبر للاموال القذرة بفعل متحصلات عوائدها العالية ، غير ان هذه الحقيقة آخذة في التغيير ، اذ تشير الدراسات التحليلية الى ان انشطة الفساد المالي والوظيفي خاصة في الدول النامية من قبل المتنفذين والمتحكمين بمصائر الشعوب ادت الى خلق ثروات باهظة غير مشروعة تحتاج لتكون محلا لغسيل الاموال كي يتمكن اصحابها من التنعم بها ، وكذلك ، اظهر التطور الحديث لجرائم التقنية العالية ( جرائم الكمبيوتر والانترنت ) ان عائدات هذه الجرائم من الضخامة بمكان تتطلب انشطة غسيل الاموال خاصة ان مقترفيها في الغالب ليس لديهم منافذ الانفاق الموجودة لدى عصابات المخدرات ، وذات القول يرد بخصوص انشطة الارهاب وتجارة الاسلحة وتجارة الرقيق والقمار خاصة مع شيوع استخدام الانترنت التي سهلت ادارة شبكات عالمية للانشطة الاباحية وانشطة القمار غير الشرعية .
وغسيل الاموال ايضا ، نشاط اجرامي تعاوني ، تتلاقى فيه الجهود الشريرة لخبراء المال والمصارف ، وخبراء التقنية - في حالات غسيل الاموال بالطرق الالكترونية - وجهود اقتصاديي الاستثمار المالي ، الى جانب جهود غير الخبراء من المجرمين ، ولهذا تطلبت مثل هذه الجرائم دراية ومعرفة لمرتكبيها ولهذا ايضا تطلبت عملا وتعاونا يتجاوز الحدود الجغرافية ، مما جعلها جريمة منظمة تقارفها منظمات جرمية متخصصة ، وجريمة عابرة للحدود ذات سمات عالية ، ومن هنا ايضا ليس بالسهل مكافحتها دون جهد دولي وتعاون شامل يحقق فعالية انشطة المكافحة
ويعد تعريف دليل اللجنة الاوروبية لغسيل الاموال الصادر لعام 1990 الاكثر شمولا وتحديدا لعناصر غسيل الاموال من بين التعريفات الاخرى التي تضمنتها عدد من الوثائق الدولية والتشريعات الوطنية ، ووفقا للدليل المذكور فان غسيل الاموال (( عملية تحويل الاموال المتحصلة من انشطة جرمية بهدف اخفاء او انكار المصدر غير الشرعي والمحظور لهذه الاموال او مساعدة أي شخص ارتكب جرما ليتجنب المسؤولية القانونية عن الاحتفاظ بمتحصلات هذا الجرم )) [1] وعملية الاخفاء او الانكار تمتد لحقيقة او مصدر او موقع او حركة او ترتيبات او طبيعة الحقوق المتحصلة من هذه الاموال او ملكيتها مع توفر العلم ان هذه الاموال متحصلة من جريمة جنائية ، ووفقا لهذا التعريف فان غسيل الاموال بالمعنى البسيط هو اظهار المال الناتج عن جرائم جنائية - كترويج المخدرات او الارهاب او الفساد او غيرها - بصورة اموال لها مصدر قانوني ومشروع
وبالنظر لمفهوم غسل الأموال المركب نجد ما يلي :
1. أن مفهوم غسل الأموال من المفاهيم المعاصرة التي تم استحداثها لنوع جديد من الجرائم التي يمكن أن تتسم بنوع من التركيب
2. لم يعرف الفقهاء هذا المصطلح وليس في كتب الفقه الجنائي ذكر له
3. بتحليل البناء القانوني لمفهوم غسل الأموال الوارد في المادة الأولى من نظام مكافحة غسل الأموال الصادر بالمرسوم الملكي رقم م/39 في25/6/1424هـنجد أنه عرفه بما يلي :
(غسل الأموال:ارتكاب أي فعل أو الشروع فيه يقصد من ورائه إخفاء أو تمويه أصل حقيقة أموال مكتسبة خلافا" للشرع أو النظام وجعلها تبدو وكأنها مشروعة المصدر )[2]
نخلص إلى ما يلي :
§ أن مفهوم غسل الأموال باعتبار مدلوله القانوني يشمل نوعين أساسين :
الأول :الفعل الجرمي
وهذه ميزة في هذا النظام الذي لم يحصرها في الأموال محل الجريمة و الناتجة عن الاتجار بالمخدرات فحسب بل جعله عاما" ليشمل كافة الأفعال الجرمية
الثاني الشروع في الفعل الجرمي حتى لو لم يقم به
وفي هذا اشارة إلى الركن المادي
§ اشمل التعريف على بيان القصد الجرمي ونص على نوعيها
الأول :إخفاء الحقيقة وعدم تبيانها
الثاني :التمويه والخداع لتضليل جهات الضبط الجنائي
وفي هذا اشارة للركن المعنوي
§ اشتمل التعريف على المخالفة المجرمة وهي المخالفة للشرع أو النظام وهذا يشمل الأفعال المجرمة قانونا وليس في الشرع تجريم لها

الآثار الاقتصادية والاجتماعية لهذه الجريمة
§ كشف تقرير رسمي أمريكي أن حجم تجارة غسيل الأموال وصل إلي 3.61 تريليونات دولار وهو أكبر من الميزانية الأمريكية في وقت من الأوقات وما يعادل 5% من الناتج المحلي الإجمالي للاقتصاد العالمي.
§ وأكد التقرير الصادر عن وزارة الخارجية الأمريكية ورفعته للكونجرس أن غسيل الأموال تضاعف بشكل صاروخي علي مدى العقد السابق بعد أن كان يبلغ 300 - 500 مليار دولار في عام 1997، مشيراً إلي أنه أصبح من الواضح بشكل متزايد أن المعادن النفيسة والأحجار الكريمة تستخدم لغسيل الأموال ونقل القيمة وتمويل الأرهاب.
§ وشدد التقرير علي أن نشر الاحصاءات المتعلقة بجرائم غسيل الأموال الملاحقات القضائية من شأنه أن يسهل تقييم وتعزيز إلي الجوانب القضائية في نظام مكافحة غسيل الأموال، كما طالب التقرير الحكومة السعودية التصديق علي اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد.



صلة عقوبة هذه الجريمة بفقه السياسة الشرعية
ما من ريب أن فقه السياسة الشرعية باب واسع للاجتهادات فيما لا نص فيه من كتاب أو سنة وقد أصل فقهاء الإسلام فكرة راسخة في هذا .
يقول أبو العباس ابن تيمية:
(الواجب تحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها .
فإذا تعارضت كان تحصيل أعظم المصلحتين بتفويت أدناهما ودفع أعظم المفسدتين مع احتمال أدناهما : هو المشروع )[3].
وبنظرة تحليلية لبنية هذا النقل عن هذا العالم المجتهد نجد أن الشريعة الإسلامية مبناها على الموازنة والمقارنة بين المصالح والمفاسد .
فإذا وجد ولي الأمر مصلحة متحققة أو راجحة في تقنين تنظيم معين فإن له ذلك تمشياً مع القاعدة الفقهية الأصيلة أن تصرف الإمام على الرعية منوط بالمصلحة ومن هنا جاء سن بعض الأنظمة ومنها نظام مكافحة غسل الأموال إذ أنه من السياسة العادلة الكاملة


يقول ابن القيم [4]رحمه الله تعالى :
( ومن له ذوق في الشريعة واطلاع على كمالاتها وتضمنها لغاية مصالح العباد في المعاش والمعاد ومجيئها بغاية العدل الذي يفصل بين الخلائق وأنه لا عدل فوق عدلها ولا مصلحة فوق ما تضمنته من المصالح : تبين له أن السياسة العادلة جزء من أجزائها وفرع من فروعها وأن من له معرفة بمقاصدها ووضعها وحسن فهمه فيها لم يحتج معها إلى سياسة غيرها البتة)[5] .
ومن خلال تأمل هذا النقل نستطيع الخروج بالنتائج الآتية :
1- أن عقوبة هذه الجريمة هو جزء من أجزاء السياسة الشرعية العادلة وفرع من فروعها.
2- أن فقه السياسة الشرعية قائم على تحصيل المصالح وتكميلها ودرء المفاسد أو تقليلها وإجراء أي تعديل في النصوص النظامية والقانونية المتعلقة بهذه الجريمة لا بد أن يحقق هذه الغايات العظيمة .
3- أن هذه الأنظمة والقوانين ومنها نظام مكافحة غسل الأموال يعتبر أساساً من وضعية التشريع ومنبعها التعمق في مقاصد الدين الإسلامي والاطلاع على كمالاته .
4- أن الذوق الفقهي المشرع للأنظمة ، ومنها نظام مكافحة غسل الأموال محكوم بمعرفة المقاصد الدينية والغايات الشرعية ومنضبط بإدراك أدوات التفكير العلمي وآليات الاجتهاد الفقهي .
5- أن السياسة الشرعية تغني عن كافة الأساليب الوضعية والمنهجيات الأرضية التي تفرز الكثير من الأنظمة التي تخضع لكثير من المآخذ .
6- أنه لا بد من القراءة الموضوعية والمنهجية الاطلاعية للمضامين الفقهية المرنة في أبواب الفقه المتعددة وخاصة في باب السياسة الشرعية .
ويمكن أن يقال :
أن عقوبة جريمة غسل الأموال شأنها شأن كافة العقوبات التعزيرية فهي من الفقه المفوض وليست من الفقه الثابت .

جريمة غسل الأموال جريمة فرعية
تعتبر جرائم غسيل الاموال ( Money Laundering ) اخطر جرائم عصر الاقتصاد الرقمي ، انها التحدي الحقيقي أمام مؤسسات المال والاعمال ، وهي ايضا امتحان لقدرة القواعد القانونية على تحقيق فعالية مواجهة الانشطة الجرمية ومكافحة انماطها المستجدة ،
وغسيل الاموال ، جريمة كغيرها من الجرائم الاقتصادية التي ترتكب من محترفي الاجرام الذين لا تتواءم سماتهم مع السمات الجرمية التي حددتها نظريات علم الاجرام والعقاب التقليدية ،
وغسيل الاموال ايضا ، جريمة لاحقة لانشطة جرمية حققت عوائد مالية غير مشروعة ، فكان لزاما اسباغ المشروعية على العائدات الجرمية او ما يعرف بالاموال القذرة ، ليتاح استخدامها بيسر وسهولة ، ولهذا تعد جريمة غسيل الاموال مخرجا لمازق المجرمين المتمثل بصعوبة التعامل مع متحصلات جرائمهم خاصة تلك التي تدر اموالا باهظة ، كتجارة المخدرات وتهريب الاسلحة والرقيق وانشطة الفساد المالي ومتحصلات الاختلاس وغيرها. وتجدر الاشارة هنا ان الذهن العام بخصوص جرائم غسيل الاموال ارتبط بجرائم المخدرات ، بل ان جهود المكافحة الدولية لغسيل الاموال جاءت ضمن جهود مكافحة المخدرات ولهذا نجد ان موضع النص دوليا على قواعد واحكام غسيل الاموال جاء ضمن اتفاقية الأمم المتحدة المتعلقة بمكافحة المخدرات ، ومبرر ذلك ان انشطة المخدرات هي التي اوجدت الوعاء الاكبر للاموال القذرة بفعل متحصلات عوائدها العالية ، غير ان هذه الحقيقة آخذة في التغيير ، اذ تشير الدراسات التحليلية الى ان انشطة الفساد المالي والوظيفي خاصة في الدول النامية من قبل المتنفذين والمتحكمين بمصائر الشعوب ادت الى خلق ثروات باهظة غير مشروعة تحتاج لتكون محلا لغسيل الاموال كي يتمكن اصحابها من التنعم بها ، وكذلك ، اظهر التطور الحديث لجرائم التقنية العالية ( جرائم الكمبيوتر والانترنت ) ان عائدات هذه الجرائم من الضخامة بمكان تتطلب انشطة غسيل الاموال خاصة ان مقترفيها في الغالب ليس لديهم منافذ الانفاق الموجودة لدى عصابات المخدرات ، وذات القول يرد بخصوص انشطة الارهاب وتجارة الاسلحة وتجارة الرقيق والقمار خاصة مع شيوع استخدام الانترنت التي سهلت ادارة شبكات عالمية للانشطة الاباحية وانشطة القمار غير الشرعية .
وغسيل الاموال ايضا ، نشاط اجرامي تعاوني ، تتلاقى فيه الجهود الشريرة لخبراء المال والمصارف ، وخبراء التقنية - في حالات غسيل الاموال بالطرق الالكترونية - وجهود اقتصاديي الاستثمار المالي ، الى جانب جهود غير الخبراء من المجرمين ، ولهذا تطلبت مثل هذه الجرائم دراية ومعرفة لمرتكبيها ولهذا ايضا تطلبت عملا وتعاونا يتجاوز الحدود الجغرافية ، مما جعلها جريمة منظمة تقارفها منظمات جرمية متخصصة ، وجريمة عابرة للحدود ذات سمات عالية ، ومن هنا ايضا ليس بالسهل مكافحتها دون جهد دولي وتعاون شامل يحقق فعالية انشطة المكافحة .
لا احد يعرف الحجم الحقيقي للمبالغ التي يجري غسلها عبر انشطة غسيل الاموال الجرمية ، ولكن ثمة اتفاق عالمي انها مبالغ ضخمة بالمليارات ، والتقدير الحالي انها تبلغ نحو 100 بليون في امريكا وحوالي 300 بليون في العالم ، وجرائم غسيل الاموال ليست حكرا على الدول الصناعية او مجتمعات الثروة ، بل انها تتسع وتنمو في بنية الدول التي يسهل النفاذ عبر ثغرات نظامها القانوني .
وبالرغم من ان اشكال وانماط ووسائل غسيل الاموال متغيرة وعديدة ، وثمة اتجاه عريض لتحويل الاموال القذرة الى اصول مالية ( مواد ثمينة ) ، وموجودات عقارية او نحو ذلك ، فان البيئة المصرفية تظل الموضع الاكثر استهدافا لانجاز انشطة غسيل الاموال من خلالها ، واذا كانت البنوك مخزن المال ، فانه من الطبيعي ان توجه انشطة غاسلي الاموال القذرة الى البنوك على امل اجراء سلسلة من عمليات مصرفية تكتسي بنتيجتها الاموال القذرة صفة المشروعية .
ولهذا تعد البنوك المستهدف الرئيسي في عمليات غسيل الاموال ، ويرجع ذلك الى دور البنوك المتعاظم في تقديم مختلف الخدمات المصرفية وتحديدا عمليات الصرف والتحويل النقدي بواسطة الشيكات والشيكات السياحية ( الاجنبية ) والحوالات المالية خاصة بالوسائل الالكترونية وبطاقات الائتمان والوفاء وعمليات المقاصة وادارة المحافظ الاستثمارية وتداول العملات والاسهم وغيرها ، وهذه الخدمات يتسع مداها ونطاقها في عصر المعلومات وتتحول الى انماط اكثر سهولة من حيث الاداء واقل رقابة من حيث آلية التنفيذ خاصة في ميدان البنوك الالكترونية او بنوك الويب على شبكة الانترنت ، ومثل هذه العمليات بشكليها التقليدي والالكتروني خير وسيلة لتستغل بغرض من اجل اخفاء المصدر غير المشروع للمال .
ومن جهة اخرى ، فان البنوك ذاتها ، تعد راس الحربة في مكافحة انشطة غسيل الاموال ، لحماية نفسها أولا من المخاطر المالية والمسؤوليات القانونية المترتبة على خوضها او مشاركتها في هكذا انشطة ، وللمشاركة الفاعلة في الجهد الدولي لمكافحة جرائم غسيل الاموال.
وتحتاج البنوك لمعرفة معمقة وشاملة بشان الاليات التي تتبع لغسيل الاموال ، مع الادراك انها اليات متغيرة ومعقدة غالبا ما تنشا من فكرة احتيالية او جرمية تولدت عن معرفة معمقة لصاحبها بالعمل المصرفي ان لم يكن قد لجا لخبرة مصرفية مميزة للحصول على الفكرة . من هنا كانت عمليات غسيل الاموال في الحقل المصرفي وليدة ( خبرة ) مصرفية ، ومن هنا ايضا فان كشفها ومنعها يحتاج ( خبرة ) مصرفية ، وهذه الحقيقة تدفعنا للقول ان غسيل الاموال ومكافحته صراع بين خبرات فنية من ذات المصدر والبيئة مع تباين في الهدف ، فغسيل الاموال جهد شرير ومكافحته جهد خير ، وبين الخير والشر ثمة مساحة من الاجتهاد والحركة يجب ان تسد دائما لصالح الخبرة الخيرة اذا ما اريد لانشطة المكافحة ان تنجح وتحقق فعالية مميزة .[6]


ومن الملاحظ أنه عند اطلاق مثل هذا الوصف على جريمة غسل الأموال فإنه يعني أن هذا النوع من الجرائم يعد من الجرائم المركبة إذ أنها فرع عن جرائم كثيرة تعتبر أصل لها
ومن تلك الجرائم:
الدعارة :
فتستعمل جريمة غسل الأموال للتمويه عن الأموال المستفادة من بيع الهوى
المخدرات :
وتكون عمليه غسيل الأموال في هذه الحال غطاء للإتجار بالمواد المخدرة [7]المجرمة بالنظام الصادر بها [8]
الرشاوى :
فيكون المال المستفاد عن طريق الرشوة يأخذ قالب الشرعية عن طريق الدخول في تعاملات في ظاهرها شرعية .
وقد جاء النص عليه على وجه الخصوص في نظام مكافحة في الفقرة (هـ)من المادة الثانية :
(الاشتراك بطريق الاتفاق أو المساعدة أو التحريض أو تقديم الرشوة أو النصح أو التسهيل أو التواطؤ أو التستر أو الشروع في ارتكاب أي فعل من الأفعال المنصوص عيها في هذه المادة.)[9]
وذلك في إطار التعريف بمرتكب جريمة غسل الأموال فشمل التعريف به المرتشي المسهل لعملية غسل الأموال وهذا يظهر سر العلاقة الوثيقة بين الرشوة وغسل الأموال


التزوير :
وقد صدر نظام خاص يجرم التزوير وهو خاص بمكافحة التزوير الصادر بالمرسوم الملكي رقم (114)في 26/11/1380هـ[10]

ولا يخفى أن التزوير من الجرائم المالية ذات الصلة الكبيرة بغسل الأموال التي تستفيد من إخراجه على الوجه الشرعي من حيث الشكل والظاهر
الجهود الدولية لمكافحة غسيل الاموال

يمكن القول ان عام 1988 يمثل سنة الارتكاز بالنسبة للجهود الدولية في حقل غسيل الاموال على ان يكون مفهوما ان الاهتمام الدولي والإقليمي والوطني في هذا الموضوع قد بدأ قبل هذا التاريخ بسنوات ولكنه بقي ضمن اطار البحث العلمي ورسم الخطط وبناء الاستراتيجيات دون ان يصل الى اطار دولي لتوحيد جهود المكافحة ، ففي عام 1988 وتحديدا في 19 /12/88 صدرت اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة انشطة ترويج المخدرات ( اتفاقية فينا 1988 ) وتعد اهم اتفاقيات الأمم المتحدة باعتبارها قد فتحت الانظار على مخاطر انشطة غسيل الاموال المتحصلة من المخدرات واثرها المدمر على النظم الاقتصادية والاجتماعية للدول ، وهذه الاتفاقية لا تعد من حيث محتواها اتفاقية خاصة بغسيل الاموال اذ هي في الاساس اتفاقية في حقل مكافحة المخدرات ، بيد انها تناولت انشطة غسيل الاموال المتحصلة من تجارة المخدرات ، باعتبار ان تجارة المخدرات تمثل اكثر المصادر اهمية للاموال القذرة محل عمليات الغسيل . ومن المفيد ان نشير في هذا المقام ان الربط بين المخدرات وغسيل الاموال اوقع العديد من الدراسات القانونية في منزلق ادى الى تصور انشطة غسيل الاموال جزءا من انشطة المخدرات فقط ، لكن لم تلبث الجهود العلمية والبحثية ان تبينت التمييز بينهما بل تتجه الان للقول بظهور مصادر جديدة للاموال القذرة اكثر اهمية من المخدرات مثل انشطة المقامرة وتحديدا عبر الانترنت والانشطة الاباحية وانشطة الفساد الاداري والمالي وتحديدا من قبل القيادات المتنفذة المدنية والعسكرية في مختلف الدول وفي مقدمتها دول العالم النامي .

الى جانب جهد الأمم المتحدة ، وبعد عام واحد تقريبا تأسس اطار دولي لمكافحة جرائم غسل الاموال ( FINANCIAL ACTION TASK FORCE ON MAONEY LAUNDERING - FATF ) نشأ عن اجتماع الدول الصناعية السبعة الكبرى ، وقد عكفت هذه المنظمة على تحديد انشطة غسيل الاموال وفتحت عضويتها للدول الراغبة ، وشئ فشيء وعبر خبرائها ولجان الرقابة اخذت تكشف عن اوضاع غسيل الاموال في دول العالم كل ذلك عبر الية التقارير السنوية التي تصدرها وتحظى باهتمام الجهات الحكومية والتشريعية في مختلف دول العالم ، ففي تقريرها لعام 2000 مثلا حددت هذه المنظمة 15 دولة غير متعاونة في ميدان مكافحة انشطة غسيل الاموال من بينها دولة عربية واحدة هي لبنان التي بدورها تقدمت للمنظمة بايضاحات واعتراضات على وضعها ضمن هذه القائمة السوداء . ويرجع لهذه المنظمة الفضل في وضع اول دليل ارشادي لانشطة غسيل الاموال وهو في الحقيقة توصيات ( التوصيات الاربعون ) يجري الاعتماد عليها في وضع استراتيجيات المكافحة والتدابير التشريعية ويعتمد عليها من قبل المؤسسات المالية والمصرفية لتقيم ادائها في هذا الحقل .

أما من حيث الجهد القانوني فيظهر بشكل بارز في اطار الاتحاد الأوروبي ، حيث صدر عام 1990 الاتفاقية الاوروبية المتعلقة باجراءات التفتيش والضبط الجرمي لغسيل الاموال وحددت الاطار الدولي للتعاون في حقل مكافحة الانشطة الجرمية لغسيل الاموال ومثلت الاطار القانوني الارشادي للبرلمانات الاوروبية في معرض اتخاذه التدابير وسن التشريعات للتعاون من اجل مكافحة جرائم غسيل الاموال . وعلى هدي التوصيات الاربعين الصادرة عن اطار الذي انشأته مجموعة الدول الصناعية السبعة صدر عن اللجنة الاوروبية / الاتحاد الأوروبي دليل الحماية من استخدام النظام المالي في انشطة غسيل الاموال لعام 1991 وقد هدف هذا الدليل الارشادي الى وضع اطار قانوني لجهات مكافحة غسيل الاموال في دول الاعضاء وقد جرى تطبيق محتواه في العديد من التشريعات الاوروبية منها قانون العدالة الجنائية البريطاني لعام 1993
ومن حيث الجهد المالي وعلى صعيد الهيئات المتخصصة فان اللجنة الدولية للنظام البنكي والممارسات الاشرافية اصدرت مبادئ ارشادية للحماية من جرائم غسيل الاموال في كانون اول عام 1988 عرفت باسم ( BASLE STATEMENT OF PRINCIPLES )
وفي المرحلة الحالية ثمة جهود واسعة في الاطار المالي والتكنيكي لمكافحة غسيل الاموال وتحديدا لاستخدام الوسائل الالكترونية تبذل من قبل الهيئات المالية الدولية غير الربحية او التجارية مثل هيئة سويفت التي عكفت على اجراء دراسات واصدار سياسات وتوجيهات ارشادية في ميدان الدفع النقدي الالكتروني والاموال الالكترونية ووسائل واليات غسيل الاموال باستخدام شبكات المعلومات وفي مقدمتها الانترنت واستخدام التقنيات الحديثة لتبادل البيانات المالية ، ويتقاطع مع هذا الجهد مع الجهود المبذولة في حقل البنوك الالكترونية وبنوك الانترنت المتخذة من قبل الهيئات المتخصصة والخبراء في البنك الدولي وبنك التسويات ومختلف منظمات النظام الاقتصادي والتجاري الدولي وكذلك منظمات وهيئات وشبكات النشاط المصرفي سواء غير الربحية او التجارية .

6. الاطار القانوني لمكافحة جرائم غسيل الاموال

ان بناء اطار قانوني عربي لمكافحة جرائم غسيل الاموال لا بد ان يكون واضح المعالم متسما بالشمولية والاحاطة يتحقق من خلاله فعالية المكافحة وسلامة النتائج .

هذا الاطار يتعين ان ينطلق ابتداءا من استراتيجية واضحة المعالم تحدد مصادر الخطر ، انماط عمليات الغسيل ، المراحل التنفيذية لها ، الترتيبات التي يتخذها غاسلوا الاموال ومعاونيهم ، والبناء القانوني القائم بما يحتويه من ثغرات تمكن لغاسلي الاموال النفاذ من خلالها لتحقيق انشطتهم غير المشروعة . فاذا ما وقفنا على المحتواة الفني لعلميات الغسيل والواقع القانوني القائم الذي يتيح النفاذ ، انتقلنا الى تبين خصائص النظام المالي العربي والانشطة المصرفية العربية والواقع القانوني المتصل بها لتبين اوجه التخصيص الخاصة بالبيئة العربية ، وبتكامل هاتين الصورتين تتضح لنا النتائج فتتحدد امامنا وبشكل دقيق الصور الجرمية المتعين اتخاذ التدابير لمكافحتها فيجري عندئذ تحديدها بشكل دقيق لننتقل الى الجزء الثاني من الاستراتيجية وهو اليات المكافحة ، وهي هنا اليات مركبة ادارية ومالية وقانونية ، يستتبعها اليات تعاون وطني واقليمي ودولي ، تترابط حلقاته وتتشابك محققة في الوقت ذاته توازن بين اهمية المكافحة وفعاليتها من جهة ، وموجبات حماية السيادة الوطنية والاقتصاد الوطني من جهة اخرى .

وبناء هكذا استراتيجية يتعين ان يعتمد على خبرات وكفاءات بحثية وعلمية وعملية من مختلف القطاعات تحقق القدرة على الاحاطة بمختلف ابعاد المسألة ، القانونية والفنية والادارية ، وهو اطار يجيد معرفة الواقع ويتميز بسعة الاطلاع على عالم ما وراء الحدود ، فيستفيد من الانشطة المتخذة في دول اخرى وفي النظم المقارنة دون ان يغفل الخصائص الذاتية للمجتمع المحلي وللاطار الاقليمي الذي تتبع له الدولة .

فاذا تحقق وجود مثل هذه الاستراتيجية كان من الواجب ان ننتقل الى اليات تنفيذها ، وهو ما يستتبع استثمار كل جهد او اطار وطني وعربي وعالمي ، وتنفيذ الاستراتيجيات يتحقق لاتخاذ التدابير التشريعية القوانين او الانظمة او التعليمات ) وابرام اتفاقيات التعاون الثنائية والاقليمية والدولية ، وتنفيذ برامج التوعية العامة ، وتنفيذ برامج التأهيل والتدريب للاشخاص والجهات التي تنيط به الاستراتيجية مهمة المكافحة او الرقابة على الانشطة المالية او مهمة الاخبار عن الانشطة المشكوك بها ، ويمثل الاطار التدريبي والتأهيلي احد اهم روافع فعالية انشطة المكافحة ، فلا قيمة للتدليل الارشادي النظري او للاستراتيجية المفرغة على الاوراق او للقوانين المحفوظة بين دفتي كتاب اذا لم تتحقق للمرتبطين بها قدرة التنفيذ العملي لمحتواها ، ويتمتد التدريب الى موظفي المؤسسات المالية والمصرفية بمختلف مراتبهم ووظائفهم والى جهات الضابطة العدلية والقضائي والقانون والى الجهات الحكومية وجهات القطاع الخاص في ان معا .

عندما كان الاستيلاء على المال هدف لعصابات السطو ، سؤل احد اشهر مجرمي عمليات السطو في امريكا عن سبب استهدافه للبنوك ، فقال انه هناك توجد النقود ، ومع تغيير النمط الجرمي من عمليات السطو التقليدية الى جرائم اصحاب الياقات البيضاء وتحديدا الجرائم الاقتصادية وجرائم الكمبيوتر ، سؤل احد اشهر ( الهاكرز) عن سبب استهدافه البنوك ايضا ، فقال انها مخزن للبيانات المالية ، ولو عاد الزمان وسألنا ال كابون عن سبب استهدافه المصارف في انشطة غسيل اموال المافيا لقال انها المدخل الى دمج المال القذر بالاموال المشروعة .

. الاستراتيجيات المصرفية لمكافحة جرائم غسيل الاموال

· سلوكيات لازمة لمواجهة خطر غسيل الاموال

لدى المصارف عادة ادلة توجيهية بشان انشطة غسيل الاموال والمسائل المتعين ملاحظتها وايلاؤها الاهتمام واخضاعها لمزيد من الفحص والتدقيق عند حصولها من قبل احد الزبائن ، ومهم الاشارة هنا ان هذه الادلة التوجيهية التي تصدر عن منظمات وهيئات مصرفية وتنظيمية وقانونية لا تتضمن عادة كافة الانشطة والوسائل نظرا لتسارع وتنامي وتغير انشطة غسيل الاموال الجرمية ، ونظرا ايضا لان هذه الادلة لا تكون بعيدة ايضا عن ايدي غاسلي الاموال ومنظماتهم الجرمية .وليس المقام لاعادة استعراض هذه القواعد والتوجيهات فهي متوفرة بين ايدي المصرفيين ، لكننا نقف على اكثر السلوكيات اهمية في سياسة الحماية من غسيل الاموال خاصة تلك التي تظهر في البيئة المصرفية العربية اكثر من غيرها .

· لا تهاون في التثبت من شخص العميل وخاصة الاشخاص المعنوية

اول واهم عنصر من عناصر ضمان عدم الوقوع في منزلقات انشطة غسيل الاموال ، عدم تهاون المصرف في التوثق من شخص العميل وتحديدا لدى بدء التعامل ، واذا كانت المصارف العربية تولي اهتماما بشان الاشخاص الطبيعية فان اهتمامها ليس بذات القدر بشان الاشخاص المعنوية وتحديدا الشركات والمؤسسات والجمعيات ، مع ان الخطر في الغالب قد يكون لدى هذه الفئة ، ان الشركات الوهمية او مؤسسات وشركات وجمعيات المواجهة احد اهم وسائل غاسلي الاموال ، وقد لوحظ في السنوات الاخيرة اتجاه عريض نحو فتح حسابات لشركات اجنبية غير مقيمة او لشركات اشخاص ( وطنيين ) منشاة في الخارج او المناطق الحرة او غيرها بالاكتفاء بوثائق غير كافية لمعرفة البنك لعمياه بالشكل المطلوب ، والاخطر التجاوز في احيان كثيرة عن عناصر هامة للتوثق ، صحيح ان البنوك تتطلب وثائق مصدقة ، لكن كثيرا من السلوكيات تتجاوز اهمية التوثق من حقيقة وجود الشخص المعنوي ، مكتفية بالظاهر غالبا ، مع ان اهم ما دربت عليه المؤسسات المصرفية ان معرفة الزبون تتطلب معرفة سياسة عمله ونطاق نشاطه وليس معرفة شخصه فحسب .

· الحذر من العميل الذي يخفي المعلومات او يقدم معلومات غير كافية

هذه القاعدة تعرفها المؤسسات المصرفية ، لكنها في الحقيقة وفي الواقع العملي متجاوز عنها كثيرا ، لقد اظهرت الدراسات التحليلية لتقارير انشطة غسيل الاموال العالمية ان اكبر صفقات غسيل الاموال كان يمكن كشفها من قبل البنك بمجرد ملاحقة ما يظهر من عدمك دقة العميل في تزويد البنك بالمعلومات ، سواء المتعلقة بشخصه او عمله او نشاطه ، وليس معنى ذلك ان الزبون المتحفظ محل للشك ، لكننا هنا نقف امام ملاحظة قد تمثل مدخلا اساسيا للحماية ، فالزبون الممتنع عن تزويد معلومات بخصوص غرض العمل و عناصر الائتمان او عن مراكز العمل او غيرها مما تتطلبه الاعمال والخدمات المصرفية قد يخفي حقيقة ما تستلزم سيرها والتوقف عندها .

· نشاطات غسيل الاموال عادة ما تغاير الانشطة التي من اجلها بدا التعامل

تنبه الادلة الارشادية عادة الى وجوب اخذ الحذر من تغير انشطة الزبائن ومن الانشطة التي لا تتلاءم مع اعمالهم الاعتيادية ، وتتطلب التدقيق فيها ، وهذه في الحقيقة مشكلة في البيئة العربية ، البيئة التي يسعى ذوي المال فيها الى اصطياد كل فرصة لتحقيق الدخل بسبب عدم وضوح معالم الانشطة الاستثمارية وتارجح المشاريع بين الفشل والنجاح واتجاهات التغيير، لكن هذا الواقع لا يمنع البنك من الوقوف على انشطة زبونه ، مثل ورود او صدور حوالات - خاصة بالوسائل الالكترونية - بمبالغ كبيرة دون وضوح مصدرها او من مصدر لا يتواءم مع طبيعة نشاط العميل ، او اتجاه العميل الى تمويل صفقات او مشاريع بشكل مفاجيء تغاير انشطته التمويلية.

· اعتماد سياسة التقارير الدورية حول النشاط المصرفي وتحليل مخرجاتها .

تعلم البنوك ان ثمة عددا كبيرا من التقارير تستوجبها انشطة الاشراف على العمل المصرفي واخرى تتطلبها الادلة التوجيهية لمكافحة غسيل الاموال ، ويلاحظ في البيئة العربية انه وان كان ثمة التزام بتنظيم هذه التقارير بانواعها لكن ثمة ايضا استهانة بسياسات تحليلها واستظهار النتائج منها ومواصلة قراءة التغيرات الواقعية بين تغيير واخر ، وفي هذا الاطار فان تقارير الايداعات والسحوبات وتقارير النقد الخارجي والمقاصة وتقارير الحوالات مع بيان مصادرها وتحديدا البنك الاول الذي استلم النقد من العميل ، وتقارير الائتمان والاقراض وغيرها تساهم فيحال قراءتها المتفحصة التحليلية من المصرفيين الخبراء على كشف العمليات المريبة وعلى الاقل تحديد الموضع الذي يحتاج توثيقا وفحصا اكثر من غيره ومن ثم التحرك الفوري اذا ماتبين وجود فعل غير مشروع .

هذه السلوكيات الادبية ، حزء يسير مما تتضمنه عادة الادلة التوجيهية الموجودة بين ايدي المصرفيين ، لكن التساؤل ، لماذا هذه السلوكيات الاربعة دون غيرها ؟ انها مسالة تتصل بما يظهره واقع النشاط المصرفي العربي ، اذ قد لا تكون السلوكيات الاخرى ذات اثر في ظل رقابة البنك الداخلية وفي ظل سياساته العملية وكذلك في ظل انشطة الاشراف والرقابة من البنك المركزي .








المراجع
· المشعل، خالد، جرائم غسيل الأموال: المفهوم، الأسباب والآثار الاقتصادية. بحث منشور في مجلة جامعة الإمام محمد بن سعود الاسلامية العدد (30) عام 1421هـ
· الاساليب المستحدثة في غسيل الاموال وكيفية التغلب عليها، بحث مقدم في الحلقة العلمية المعنونة بـ ( القواعد التنظيمية لمكافحة المخدرات وغسل الاموال) المنامة – البحرين ( شوال 1425).
· الرسالة التي تقدم بها باحث الدكتوراه عبدالله بن ثنيان الثنيان تحت عنوان (أحكام غسل الأموال - دراسة مقارنة بين نظام مكافحة غسل الأموال السعودي والانظمة والاتفاقيات الدولية
· نظام مكافحة غسل الأموال الصادر بالمرسوم الملكي رقم م/39 في25/6/1424
· جرائم غسيل الاموال المحامي يونس عرب دراسة في ماهية ومخاطر جرائم غسيل الاموال والاتجاهات الدولية لمكافحتها وبيان بخطط المصارف لمواجهة هذه الجرائم
· الطرق الحكيمة في السياسة الشرعية لابن قيم الجوزية ص4 ، ط1 ، 1415هـ نشر دار الكتب العلمية بيروت .
· السياسة الشرعية تأليف تقي الدين أحمد بن عبد الحليم بن تيمية ص40 طبع ونشر وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد .
· الذيل على طبقات الحنابلة
· .الدرر الكامنة
· شذرات الذهب .
· ومعجم المؤلفين
· جرائم غسل الأموال في ضوء الشريعة والقانون
· اجراءات التحقيق في جريمة غسل الأموال في المملكة العربية السعودية مشعل بن عبد الله العتيبي
· أثر السرية المصرفية على مكافحة جرائم غسل الأموال , العتيبي سعود ذياب
· فاعلية إدارة التحريات والبحث الجنائي بالأمن العام في مكافحة جرائم غسل الأموال
· فاعلية التنسيق بين الأجهزة الأمنية ومؤسسة النقد العربي السعودي في مكافحة جرائم غسل الأموال
· جريمة غسل الأموال في النظام السعودي والإتفاقيات الدولية





[1] دليل اللجنة الأوربية لغسيل الأموال
[2] نظام مكافحة غسل الأموال الصادر بالمرسوم الملكي رقم م/39 في25/6/1424
1- السياسة الشرعية تأليف تقي الدين أحمد بن عبد الحليم بن تيمية ص40 طبع ونشر وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد .
1- هو أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب الزرعي ثم الدمشقي الحنبلي من فقهاء الحنابلة وأصوليهم ومجتهديهم البارزين وكان إلى جانب ذلك مفسراً ومتكلماً ونحوياً ومحدثاً ومشاركاً في علوم كثيرة . لازم الإمام ابن تيمية وأخذ عنه وسجن معه في قلعة دمشق توفي سنة 751هـ ودفن في سفح جبل قاسيون بدمشق .
من مؤلفاته :
(أعلام الموقعين عن رب العالمين ) و ( زاد المعاد في هدي خير العباد ) و ( إغاثة اللهفان من مكايد الشيطان ) و ( الطرق الحكمية ) وكتبه كثيرة تعد بالمئات .
راجع ترجمته :
1- الذيل على طبقات الحنابلة ( 2/447 ) .
2- والدرر الكامنة ( 5/137 ) .
3- وشذرات الذهب ( 6/168 ) .
4- ومعجم المؤلفين ( 9/106 ) .
2- الطرق الحكيمة في السياسة الشرعية لابن قيم الجوزية ص4 ، ط1 ، 1415هـ نشر دار الكتب العلمية بيروت .
[6] جرائم غسيل الأموال المحامي يونس عرب دراسة في ماهية ومخاطر جرائم غسيل الأموال والاتجاهات الدولية لمكافحتها وبيان بخطط المصارف لمواجهة هذه الجرائم
[7] نظام مكافحة المخدرات والمؤثرات العقلية الصادر بالمرسوم الملكي رقم(م/39) في 8/7/1426هـ
[8] نظام مكافحة المخدرات والمؤثرات العقلية الصادر بالمرسوم الملكي رقم(م/39) في 8/7/1426هـ
[9] نظام مكافحة غسل الأموال الصادر بالمرسوم الملكي رقم م/39 في25/6/1424
[10]نظام مكافحة التزوير الصادر بالمرسوم الملكي رقم (114)في 26/11/1380هـ
جريمة غسل الأموال


دراسة موضوعية لمفهومها والجرائم ذات الصلة بها وآثارها

إعداد سامي بن فهد العقيلي برنامج الدكتوراه في قسم السياسة الشرعية للعام الدراسي 1429/1230هـ






جريمة غسل الأموال
دراسة موضوعية لمفهومها والجرائم ذات الصلة بها وآثارها
إعداد
سامي بن فهد العقيلي
برنامج الدكتوراه في قسم السياسة الشرعية للعام الدراسي 1429/1230هـ

















بسم الله الرحمن الرحيم
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا
ومن سيئات أعمالنا ..
من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له ،
وأشهد أن
لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله وسلم عليه
وعلى آله وصحبه أجمعين
المدخل :
لما كانت أحكام فروع المآخذ القضائية على وجه الخصوص محض إطلاقات وعموميات تتناول أنواعا" من الوقائع القضائية لا تنحصر كما " وكيفا".
وهي لا تقوم إلا معيّنة مشخّصة ولكل معيّن منها خصوصية ليست في غيره .
وهذا التعيين ليس معتبرا" في آحاد الأحكام بإطلاق ولا مطردا" بإطلاق
فحينا" هذا وحينا" ذاك وحينا" يأخذ من كل طرف بجهة .
ثم لا تبقى صورة أو قضية إلا وهي مشمولة بالإنتاج القضائي يعرض للجرائم الثابتة والجرائم المفوضة ومنها (جريمة غسل الأموال) التي تعتبر من أهم وأخطر الجرائم المالية في العصر الحديث
وقد اعتمدت في بحثي هذا أن يكون قراءة تحليلية للنظام الخاص بها وهو نظام مكافحة غسل الأموال الصادر بالمرسوم الملكي رقم م/39 في25/6/1424
رغبة مني في الاستفادة من هذا النظام بشكل مكثف والاعتماد على إشاراته وإيماءاته مع الرجوع إلى بعض المراجع والمصادر التي عالجت الموضوع والاستئناس بها


















مفهوم غسل الأموال ( تبيض الأموال)
غسيل الأموال هو نشاط إجرامي لاحق لنشاط جمع مال بطرق غير مشروعة، وخوفا من المسائلة عن مصدر الأموال كان لزاما إضفاء مشروعية على هذا المال حتى يسهل التعامل معه من دون إضفاء الشكوك والأدلة القانونية على الأعمال الجرمية السابقة.
تعريف غسيل الأموال
غسيل الأموال هي إعادة تدوير الأموال الناتجة عن الأعمال غير المشروعة في مجالات وقنوات استثمار شرعية لإخفاء المصدر الحقيقي لهذه الأموال ولتبدو كما لو كانت قد تولدت من مصدر مشروع ومن أمثلة هذه الأعمال غير المشروعة (الأموال الناتجة عن تجارة المخدرات - الرقيق - الدعارة - الأسلحة) ومن أبرز الآثار المترتبة على هذه الظاهرة اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً ما يلي:
استقطاعات من الدخل القومي ونزيف للاقتصاد الوطني لصالح الاقتصاديات الخارجية.
زيادة السيولة المحلية بشكل لا يتناسب مع الزيادة في إنتاج السلع والخدمات.
التهرب من سداد الضرائب المباشرة ومن ثم معاناة خزانة الدولة من نقص الإيرادات العامة عن مجمل النفقات العامة.
شراء ذمم رجال الشرطة والقضاء والسياسيين مما يؤدي إلى ضعف كيان الدولة واستشراء خطر جماعات الإجرام المنظم

جرائم غسيل الاموال ( Money Laundering )
تعتبر جرائم غسيل الاموال ( Money Laundering ) اخطر جرائم عصر الاقتصاد الرقمي ، انها التحدي الحقيقي أمام مؤسسات المال والاعمال ، وهي ايضا امتحان لقدرة القواعد القانونية على تحقيق فعالية مواجهة الانشطة الجرمية ومكافحة انماطها المستجدة ، وغسيل الاموال ، جريمة ذوي الياقات البيضاء ، تماما كغيرها من الجرائم الاقتصادية التي ترتكب من محترفي الاجرام الذين لا تتواءم سماتهم مع السمات الجرمية التي حددتها نظريات علم الاجرام والعقاب التقليدية.
وغسيل الاموال ايضا ، جريمة لاحقة لانشطة جرمية حققت عوائد مالية غير مشروعة ، فكان لزاما اسباغ المشروعية على العائدات الجرمية او ما يعرف بالاموال القذرة ، ليتاح استخدامها بيسر وسهولة ، ولهذا تعد جريمة غسيل الاموال مخرجا لمازق المجرمين المتمثل بصعوبة التعامل مع متحصلات جرائمهم خاصة تلك التي تدر اموالا باهظة ، كتجارة المخدرات وتهريب الاسلحة والرقيق وانشطة الفساد المالي ومتحصلات الاختلاس وغيرها. وتجدر الاشارة هنا ان الذهن العام بخصوص جرائم غسيل الاموال ارتبط بجرائم المخدرات ، بل ان جهود المكافحة الدولية لغسيل الاموال جاءت ضمن جهود مكافحة المخدرات ولهذا نجد ان موضع النص دوليا على قواعد واحكام غسيل الاموال جاء ضمن اتفاقية الأمم المتحدة المتعلقة بمكافحة المخدرات ، ومبرر ذلك ان انشطة المخدرات هي التي اوجدت الوعاء الاكبر للاموال القذرة بفعل متحصلات عوائدها العالية ، غير ان هذه الحقيقة آخذة في التغيير ، اذ تشير الدراسات التحليلية الى ان انشطة الفساد المالي والوظيفي خاصة في الدول النامية من قبل المتنفذين والمتحكمين بمصائر الشعوب ادت الى خلق ثروات باهظة غير مشروعة تحتاج لتكون محلا لغسيل الاموال كي يتمكن اصحابها من التنعم بها ، وكذلك ، اظهر التطور الحديث لجرائم التقنية العالية ( جرائم الكمبيوتر والانترنت ) ان عائدات هذه الجرائم من الضخامة بمكان تتطلب انشطة غسيل الاموال خاصة ان مقترفيها في الغالب ليس لديهم منافذ الانفاق الموجودة لدى عصابات المخدرات ، وذات القول يرد بخصوص انشطة الارهاب وتجارة الاسلحة وتجارة الرقيق والقمار خاصة مع شيوع استخدام الانترنت التي سهلت ادارة شبكات عالمية للانشطة الاباحية وانشطة القمار غير الشرعية .
وغسيل الاموال ايضا ، نشاط اجرامي تعاوني ، تتلاقى فيه الجهود الشريرة لخبراء المال والمصارف ، وخبراء التقنية - في حالات غسيل الاموال بالطرق الالكترونية - وجهود اقتصاديي الاستثمار المالي ، الى جانب جهود غير الخبراء من المجرمين ، ولهذا تطلبت مثل هذه الجرائم دراية ومعرفة لمرتكبيها ولهذا ايضا تطلبت عملا وتعاونا يتجاوز الحدود الجغرافية ، مما جعلها جريمة منظمة تقارفها منظمات جرمية متخصصة ، وجريمة عابرة للحدود ذات سمات عالية ، ومن هنا ايضا ليس بالسهل مكافحتها دون جهد دولي وتعاون شامل يحقق فعالية انشطة المكافحة
ويعد تعريف دليل اللجنة الاوروبية لغسيل الاموال الصادر لعام 1990 الاكثر شمولا وتحديدا لعناصر غسيل الاموال من بين التعريفات الاخرى التي تضمنتها عدد من الوثائق الدولية والتشريعات الوطنية ، ووفقا للدليل المذكور فان غسيل الاموال (( عملية تحويل الاموال المتحصلة من انشطة جرمية بهدف اخفاء او انكار المصدر غير الشرعي والمحظور لهذه الاموال او مساعدة أي شخص ارتكب جرما ليتجنب المسؤولية القانونية عن الاحتفاظ بمتحصلات هذا الجرم )) [1] وعملية الاخفاء او الانكار تمتد لحقيقة او مصدر او موقع او حركة او ترتيبات او طبيعة الحقوق المتحصلة من هذه الاموال او ملكيتها مع توفر العلم ان هذه الاموال متحصلة من جريمة جنائية ، ووفقا لهذا التعريف فان غسيل الاموال بالمعنى البسيط هو اظهار المال الناتج عن جرائم جنائية - كترويج المخدرات او الارهاب او الفساد او غيرها - بصورة اموال لها مصدر قانوني ومشروع
وبالنظر لمفهوم غسل الأموال المركب نجد ما يلي :
1. أن مفهوم غسل الأموال من المفاهيم المعاصرة التي تم استحداثها لنوع جديد من الجرائم التي يمكن أن تتسم بنوع من التركيب
2. لم يعرف الفقهاء هذا المصطلح وليس في كتب الفقه الجنائي ذكر له
3. بتحليل البناء القانوني لمفهوم غسل الأموال الوارد في المادة الأولى من نظام مكافحة غسل الأموال الصادر بالمرسوم الملكي رقم م/39 في25/6/1424هـنجد أنه عرفه بما يلي :
(غسل الأموال:ارتكاب أي فعل أو الشروع فيه يقصد من ورائه إخفاء أو تمويه أصل حقيقة أموال مكتسبة خلافا" للشرع أو النظام وجعلها تبدو وكأنها مشروعة المصدر )[2]
نخلص إلى ما يلي :
§ أن مفهوم غسل الأموال باعتبار مدلوله القانوني يشمل نوعين أساسين :
الأول :الفعل الجرمي
وهذه ميزة في هذا النظام الذي لم يحصرها في الأموال محل الجريمة و الناتجة عن الاتجار بالمخدرات فحسب بل جعله عاما" ليشمل كافة الأفعال الجرمية
الثاني الشروع في الفعل الجرمي حتى لو لم يقم به
وفي هذا اشارة إلى الركن المادي
§ اشمل التعريف على بيان القصد الجرمي ونص على نوعيها
الأول :إخفاء الحقيقة وعدم تبيانها
الثاني :التمويه والخداع لتضليل جهات الضبط الجنائي
وفي هذا اشارة للركن المعنوي
§ اشتمل التعريف على المخالفة المجرمة وهي المخالفة للشرع أو النظام وهذا يشمل الأفعال المجرمة قانونا وليس في الشرع تجريم لها

الآثار الاقتصادية والاجتماعية لهذه الجريمة
§ كشف تقرير رسمي أمريكي أن حجم تجارة غسيل الأموال وصل إلي 3.61 تريليونات دولار وهو أكبر من الميزانية الأمريكية في وقت من الأوقات وما يعادل 5% من الناتج المحلي الإجمالي للاقتصاد العالمي.
§ وأكد التقرير الصادر عن وزارة الخارجية الأمريكية ورفعته للكونجرس أن غسيل الأموال تضاعف بشكل صاروخي علي مدى العقد السابق بعد أن كان يبلغ 300 - 500 مليار دولار في عام 1997، مشيراً إلي أنه أصبح من الواضح بشكل متزايد أن المعادن النفيسة والأحجار الكريمة تستخدم لغسيل الأموال ونقل القيمة وتمويل الأرهاب.
§ وشدد التقرير علي أن نشر الاحصاءات المتعلقة بجرائم غسيل الأموال الملاحقات القضائية من شأنه أن يسهل تقييم وتعزيز إلي الجوانب القضائية في نظام مكافحة غسيل الأموال، كما طالب التقرير الحكومة السعودية التصديق علي اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد.



صلة عقوبة هذه الجريمة بفقه السياسة الشرعية
ما من ريب أن فقه السياسة الشرعية باب واسع للاجتهادات فيما لا نص فيه من كتاب أو سنة وقد أصل فقهاء الإسلام فكرة راسخة في هذا .
يقول أبو العباس ابن تيمية:
(الواجب تحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها .
فإذا تعارضت كان تحصيل أعظم المصلحتين بتفويت أدناهما ودفع أعظم المفسدتين مع احتمال أدناهما : هو المشروع )[3].
وبنظرة تحليلية لبنية هذا النقل عن هذا العالم المجتهد نجد أن الشريعة الإسلامية مبناها على الموازنة والمقارنة بين المصالح والمفاسد .
فإذا وجد ولي الأمر مصلحة متحققة أو راجحة في تقنين تنظيم معين فإن له ذلك تمشياً مع القاعدة الفقهية الأصيلة أن تصرف الإمام على الرعية منوط بالمصلحة ومن هنا جاء سن بعض الأنظمة ومنها نظام مكافحة غسل الأموال إذ أنه من السياسة العادلة الكاملة


يقول ابن القيم [4]رحمه الله تعالى :
( ومن له ذوق في الشريعة واطلاع على كمالاتها وتضمنها لغاية مصالح العباد في المعاش والمعاد ومجيئها بغاية العدل الذي يفصل بين الخلائق وأنه لا عدل فوق عدلها ولا مصلحة فوق ما تضمنته من المصالح : تبين له أن السياسة العادلة جزء من أجزائها وفرع من فروعها وأن من له معرفة بمقاصدها ووضعها وحسن فهمه فيها لم يحتج معها إلى سياسة غيرها البتة)[5] .
ومن خلال تأمل هذا النقل نستطيع الخروج بالنتائج الآتية :
1- أن عقوبة هذه الجريمة هو جزء من أجزاء السياسة الشرعية العادلة وفرع من فروعها.
2- أن فقه السياسة الشرعية قائم على تحصيل المصالح وتكميلها ودرء المفاسد أو تقليلها وإجراء أي تعديل في النصوص النظامية والقانونية المتعلقة بهذه الجريمة لا بد أن يحقق هذه الغايات العظيمة .
3- أن هذه الأنظمة والقوانين ومنها نظام مكافحة غسل الأموال يعتبر أساساً من وضعية التشريع ومنبعها التعمق في مقاصد الدين الإسلامي والاطلاع على كمالاته .
4- أن الذوق الفقهي المشرع للأنظمة ، ومنها نظام مكافحة غسل الأموال محكوم بمعرفة المقاصد الدينية والغايات الشرعية ومنضبط بإدراك أدوات التفكير العلمي وآليات الاجتهاد الفقهي .
5- أن السياسة الشرعية تغني عن كافة الأساليب الوضعية والمنهجيات الأرضية التي تفرز الكثير من الأنظمة التي تخضع لكثير من المآخذ .
6- أنه لا بد من القراءة الموضوعية والمنهجية الاطلاعية للمضامين الفقهية المرنة في أبواب الفقه المتعددة وخاصة في باب السياسة الشرعية .
ويمكن أن يقال :
أن عقوبة جريمة غسل الأموال شأنها شأن كافة العقوبات التعزيرية فهي من الفقه المفوض وليست من الفقه الثابت .

جريمة غسل الأموال جريمة فرعية
تعتبر جرائم غسيل الاموال ( Money Laundering ) اخطر جرائم عصر الاقتصاد الرقمي ، انها التحدي الحقيقي أمام مؤسسات المال والاعمال ، وهي ايضا امتحان لقدرة القواعد القانونية على تحقيق فعالية مواجهة الانشطة الجرمية ومكافحة انماطها المستجدة ،
وغسيل الاموال ، جريمة كغيرها من الجرائم الاقتصادية التي ترتكب من محترفي الاجرام الذين لا تتواءم سماتهم مع السمات الجرمية التي حددتها نظريات علم الاجرام والعقاب التقليدية ،
وغسيل الاموال ايضا ، جريمة لاحقة لانشطة جرمية حققت عوائد مالية غير مشروعة ، فكان لزاما اسباغ المشروعية على العائدات الجرمية او ما يعرف بالاموال القذرة ، ليتاح استخدامها بيسر وسهولة ، ولهذا تعد جريمة غسيل الاموال مخرجا لمازق المجرمين المتمثل بصعوبة التعامل مع متحصلات جرائمهم خاصة تلك التي تدر اموالا باهظة ، كتجارة المخدرات وتهريب الاسلحة والرقيق وانشطة الفساد المالي ومتحصلات الاختلاس وغيرها. وتجدر الاشارة هنا ان الذهن العام بخصوص جرائم غسيل الاموال ارتبط بجرائم المخدرات ، بل ان جهود المكافحة الدولية لغسيل الاموال جاءت ضمن جهود مكافحة المخدرات ولهذا نجد ان موضع النص دوليا على قواعد واحكام غسيل الاموال جاء ضمن اتفاقية الأمم المتحدة المتعلقة بمكافحة المخدرات ، ومبرر ذلك ان انشطة المخدرات هي التي اوجدت الوعاء الاكبر للاموال القذرة بفعل متحصلات عوائدها العالية ، غير ان هذه الحقيقة آخذة في التغيير ، اذ تشير الدراسات التحليلية الى ان انشطة الفساد المالي والوظيفي خاصة في الدول النامية من قبل المتنفذين والمتحكمين بمصائر الشعوب ادت الى خلق ثروات باهظة غير مشروعة تحتاج لتكون محلا لغسيل الاموال كي يتمكن اصحابها من التنعم بها ، وكذلك ، اظهر التطور الحديث لجرائم التقنية العالية ( جرائم الكمبيوتر والانترنت ) ان عائدات هذه الجرائم من الضخامة بمكان تتطلب انشطة غسيل الاموال خاصة ان مقترفيها في الغالب ليس لديهم منافذ الانفاق الموجودة لدى عصابات المخدرات ، وذات القول يرد بخصوص انشطة الارهاب وتجارة الاسلحة وتجارة الرقيق والقمار خاصة مع شيوع استخدام الانترنت التي سهلت ادارة شبكات عالمية للانشطة الاباحية وانشطة القمار غير الشرعية .
وغسيل الاموال ايضا ، نشاط اجرامي تعاوني ، تتلاقى فيه الجهود الشريرة لخبراء المال والمصارف ، وخبراء التقنية - في حالات غسيل الاموال بالطرق الالكترونية - وجهود اقتصاديي الاستثمار المالي ، الى جانب جهود غير الخبراء من المجرمين ، ولهذا تطلبت مثل هذه الجرائم دراية ومعرفة لمرتكبيها ولهذا ايضا تطلبت عملا وتعاونا يتجاوز الحدود الجغرافية ، مما جعلها جريمة منظمة تقارفها منظمات جرمية متخصصة ، وجريمة عابرة للحدود ذات سمات عالية ، ومن هنا ايضا ليس بالسهل مكافحتها دون جهد دولي وتعاون شامل يحقق فعالية انشطة المكافحة .
لا احد يعرف الحجم الحقيقي للمبالغ التي يجري غسلها عبر انشطة غسيل الاموال الجرمية ، ولكن ثمة اتفاق عالمي انها مبالغ ضخمة بالمليارات ، والتقدير الحالي انها تبلغ نحو 100 بليون في امريكا وحوالي 300 بليون في العالم ، وجرائم غسيل الاموال ليست حكرا على الدول الصناعية او مجتمعات الثروة ، بل انها تتسع وتنمو في بنية الدول التي يسهل النفاذ عبر ثغرات نظامها القانوني .
وبالرغم من ان اشكال وانماط ووسائل غسيل الاموال متغيرة وعديدة ، وثمة اتجاه عريض لتحويل الاموال القذرة الى اصول مالية ( مواد ثمينة ) ، وموجودات عقارية او نحو ذلك ، فان البيئة المصرفية تظل الموضع الاكثر استهدافا لانجاز انشطة غسيل الاموال من خلالها ، واذا كانت البنوك مخزن المال ، فانه من الطبيعي ان توجه انشطة غاسلي الاموال القذرة الى البنوك على امل اجراء سلسلة من عمليات مصرفية تكتسي بنتيجتها الاموال القذرة صفة المشروعية .
ولهذا تعد البنوك المستهدف الرئيسي في عمليات غسيل الاموال ، ويرجع ذلك الى دور البنوك المتعاظم في تقديم مختلف الخدمات المصرفية وتحديدا عمليات الصرف والتحويل النقدي بواسطة الشيكات والشيكات السياحية ( الاجنبية ) والحوالات المالية خاصة بالوسائل الالكترونية وبطاقات الائتمان والوفاء وعمليات المقاصة وادارة المحافظ الاستثمارية وتداول العملات والاسهم وغيرها ، وهذه الخدمات يتسع مداها ونطاقها في عصر المعلومات وتتحول الى انماط اكثر سهولة من حيث الاداء واقل رقابة من حيث آلية التنفيذ خاصة في ميدان البنوك الالكترونية او بنوك الويب على شبكة الانترنت ، ومثل هذه العمليات بشكليها التقليدي والالكتروني خير وسيلة لتستغل بغرض من اجل اخفاء المصدر غير المشروع للمال .
ومن جهة اخرى ، فان البنوك ذاتها ، تعد راس الحربة في مكافحة انشطة غسيل الاموال ، لحماية نفسها أولا من المخاطر المالية والمسؤوليات القانونية المترتبة على خوضها او مشاركتها في هكذا انشطة ، وللمشاركة الفاعلة في الجهد الدولي لمكافحة جرائم غسيل الاموال.
وتحتاج البنوك لمعرفة معمقة وشاملة بشان الاليات التي تتبع لغسيل الاموال ، مع الادراك انها اليات متغيرة ومعقدة غالبا ما تنشا من فكرة احتيالية او جرمية تولدت عن معرفة معمقة لصاحبها بالعمل المصرفي ان لم يكن قد لجا لخبرة مصرفية مميزة للحصول على الفكرة . من هنا كانت عمليات غسيل الاموال في الحقل المصرفي وليدة ( خبرة ) مصرفية ، ومن هنا ايضا فان كشفها ومنعها يحتاج ( خبرة ) مصرفية ، وهذه الحقيقة تدفعنا للقول ان غسيل الاموال ومكافحته صراع بين خبرات فنية من ذات المصدر والبيئة مع تباين في الهدف ، فغسيل الاموال جهد شرير ومكافحته جهد خير ، وبين الخير والشر ثمة مساحة من الاجتهاد والحركة يجب ان تسد دائما لصالح الخبرة الخيرة اذا ما اريد لانشطة المكافحة ان تنجح وتحقق فعالية مميزة .[6]


ومن الملاحظ أنه عند اطلاق مثل هذا الوصف على جريمة غسل الأموال فإنه يعني أن هذا النوع من الجرائم يعد من الجرائم المركبة إذ أنها فرع عن جرائم كثيرة تعتبر أصل لها
ومن تلك الجرائم:
الدعارة :
فتستعمل جريمة غسل الأموال للتمويه عن الأموال المستفادة من بيع الهوى
المخدرات :
وتكون عمليه غسيل الأموال في هذه الحال غطاء للإتجار بالمواد المخدرة [7]المجرمة بالنظام الصادر بها [8]
الرشاوى :
فيكون المال المستفاد عن طريق الرشوة يأخذ قالب الشرعية عن طريق الدخول في تعاملات في ظاهرها شرعية .
وقد جاء النص عليه على وجه الخصوص في نظام مكافحة في الفقرة (هـ)من المادة الثانية :
(الاشتراك بطريق الاتفاق أو المساعدة أو التحريض أو تقديم الرشوة أو النصح أو التسهيل أو التواطؤ أو التستر أو الشروع في ارتكاب أي فعل من الأفعال المنصوص عيها في هذه المادة.)[9]
وذلك في إطار التعريف بمرتكب جريمة غسل الأموال فشمل التعريف به المرتشي المسهل لعملية غسل الأموال وهذا يظهر سر العلاقة الوثيقة بين الرشوة وغسل الأموال


التزوير :
وقد صدر نظام خاص يجرم التزوير وهو خاص بمكافحة التزوير الصادر بالمرسوم الملكي رقم (114)في 26/11/1380هـ[10]

ولا يخفى أن التزوير من الجرائم المالية ذات الصلة الكبيرة بغسل الأموال التي تستفيد من إخراجه على الوجه الشرعي من حيث الشكل والظاهر
الجهود الدولية لمكافحة غسيل الاموال

يمكن القول ان عام 1988 يمثل سنة الارتكاز بالنسبة للجهود الدولية في حقل غسيل الاموال على ان يكون مفهوما ان الاهتمام الدولي والإقليمي والوطني في هذا الموضوع قد بدأ قبل هذا التاريخ بسنوات ولكنه بقي ضمن اطار البحث العلمي ورسم الخطط وبناء الاستراتيجيات دون ان يصل الى اطار دولي لتوحيد جهود المكافحة ، ففي عام 1988 وتحديدا في 19 /12/88 صدرت اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة انشطة ترويج المخدرات ( اتفاقية فينا 1988 ) وتعد اهم اتفاقيات الأمم المتحدة باعتبارها قد فتحت الانظار على مخاطر انشطة غسيل الاموال المتحصلة من المخدرات واثرها المدمر على النظم الاقتصادية والاجتماعية للدول ، وهذه الاتفاقية لا تعد من حيث محتواها اتفاقية خاصة بغسيل الاموال اذ هي في الاساس اتفاقية في حقل مكافحة المخدرات ، بيد انها تناولت انشطة غسيل الاموال المتحصلة من تجارة المخدرات ، باعتبار ان تجارة المخدرات تمثل اكثر المصادر اهمية للاموال القذرة محل عمليات الغسيل . ومن المفيد ان نشير في هذا المقام ان الربط بين المخدرات وغسيل الاموال اوقع العديد من الدراسات القانونية في منزلق ادى الى تصور انشطة غسيل الاموال جزءا من انشطة المخدرات فقط ، لكن لم تلبث الجهود العلمية والبحثية ان تبينت التمييز بينهما بل تتجه الان للقول بظهور مصادر جديدة للاموال القذرة اكثر اهمية من المخدرات مثل انشطة المقامرة وتحديدا عبر الانترنت والانشطة الاباحية وانشطة الفساد الاداري والمالي وتحديدا من قبل القيادات المتنفذة المدنية والعسكرية في مختلف الدول وفي مقدمتها دول العالم النامي .

الى جانب جهد الأمم المتحدة ، وبعد عام واحد تقريبا تأسس اطار دولي لمكافحة جرائم غسل الاموال ( FINANCIAL ACTION TASK FORCE ON MAONEY LAUNDERING - FATF ) نشأ عن اجتماع الدول الصناعية السبعة الكبرى ، وقد عكفت هذه المنظمة على تحديد انشطة غسيل الاموال وفتحت عضويتها للدول الراغبة ، وشئ فشيء وعبر خبرائها ولجان الرقابة اخذت تكشف عن اوضاع غسيل الاموال في دول العالم كل ذلك عبر الية التقارير السنوية التي تصدرها وتحظى باهتمام الجهات الحكومية والتشريعية في مختلف دول العالم ، ففي تقريرها لعام 2000 مثلا حددت هذه المنظمة 15 دولة غير متعاونة في ميدان مكافحة انشطة غسيل الاموال من بينها دولة عربية واحدة هي لبنان التي بدورها تقدمت للمنظمة بايضاحات واعتراضات على وضعها ضمن هذه القائمة السوداء . ويرجع لهذه المنظمة الفضل في وضع اول دليل ارشادي لانشطة غسيل الاموال وهو في الحقيقة توصيات ( التوصيات الاربعون ) يجري الاعتماد عليها في وضع استراتيجيات المكافحة والتدابير التشريعية ويعتمد عليها من قبل المؤسسات المالية والمصرفية لتقيم ادائها في هذا الحقل .

أما من حيث الجهد القانوني فيظهر بشكل بارز في اطار الاتحاد الأوروبي ، حيث صدر عام 1990 الاتفاقية الاوروبية المتعلقة باجراءات التفتيش والضبط الجرمي لغسيل الاموال وحددت الاطار الدولي للتعاون في حقل مكافحة الانشطة الجرمية لغسيل الاموال ومثلت الاطار القانوني الارشادي للبرلمانات الاوروبية في معرض اتخاذه التدابير وسن التشريعات للتعاون من اجل مكافحة جرائم غسيل الاموال . وعلى هدي التوصيات الاربعين الصادرة عن اطار الذي انشأته مجموعة الدول الصناعية السبعة صدر عن اللجنة الاوروبية / الاتحاد الأوروبي دليل الحماية من استخدام النظام المالي في انشطة غسيل الاموال لعام 1991 وقد هدف هذا الدليل الارشادي الى وضع اطار قانوني لجهات مكافحة غسيل الاموال في دول الاعضاء وقد جرى تطبيق محتواه في العديد من التشريعات الاوروبية منها قانون العدالة الجنائية البريطاني لعام 1993
ومن حيث الجهد المالي وعلى صعيد الهيئات المتخصصة فان اللجنة الدولية للنظام البنكي والممارسات الاشرافية اصدرت مبادئ ارشادية للحماية من جرائم غسيل الاموال في كانون اول عام 1988 عرفت باسم ( BASLE STATEMENT OF PRINCIPLES )
وفي المرحلة الحالية ثمة جهود واسعة في الاطار المالي والتكنيكي لمكافحة غسيل الاموال وتحديدا لاستخدام الوسائل الالكترونية تبذل من قبل الهيئات المالية الدولية غير الربحية او التجارية مثل هيئة سويفت التي عكفت على اجراء دراسات واصدار سياسات وتوجيهات ارشادية في ميدان الدفع النقدي الالكتروني والاموال الالكترونية ووسائل واليات غسيل الاموال باستخدام شبكات المعلومات وفي مقدمتها الانترنت واستخدام التقنيات الحديثة لتبادل البيانات المالية ، ويتقاطع مع هذا الجهد مع الجهود المبذولة في حقل البنوك الالكترونية وبنوك الانترنت المتخذة من قبل الهيئات المتخصصة والخبراء في البنك الدولي وبنك التسويات ومختلف منظمات النظام الاقتصادي والتجاري الدولي وكذلك منظمات وهيئات وشبكات النشاط المصرفي سواء غير الربحية او التجارية .

6. الاطار القانوني لمكافحة جرائم غسيل الاموال

ان بناء اطار قانوني عربي لمكافحة جرائم غسيل الاموال لا بد ان يكون واضح المعالم متسما بالشمولية والاحاطة يتحقق من خلاله فعالية المكافحة وسلامة النتائج .

هذا الاطار يتعين ان ينطلق ابتداءا من استراتيجية واضحة المعالم تحدد مصادر الخطر ، انماط عمليات الغسيل ، المراحل التنفيذية لها ، الترتيبات التي يتخذها غاسلوا الاموال ومعاونيهم ، والبناء القانوني القائم بما يحتويه من ثغرات تمكن لغاسلي الاموال النفاذ من خلالها لتحقيق انشطتهم غير المشروعة . فاذا ما وقفنا على المحتواة الفني لعلميات الغسيل والواقع القانوني القائم الذي يتيح النفاذ ، انتقلنا الى تبين خصائص النظام المالي العربي والانشطة المصرفية العربية والواقع القانوني المتصل بها لتبين اوجه التخصيص الخاصة بالبيئة العربية ، وبتكامل هاتين الصورتين تتضح لنا النتائج فتتحدد امامنا وبشكل دقيق الصور الجرمية المتعين اتخاذ التدابير لمكافحتها فيجري عندئذ تحديدها بشكل دقيق لننتقل الى الجزء الثاني من الاستراتيجية وهو اليات المكافحة ، وهي هنا اليات مركبة ادارية ومالية وقانونية ، يستتبعها اليات تعاون وطني واقليمي ودولي ، تترابط حلقاته وتتشابك محققة في الوقت ذاته توازن بين اهمية المكافحة وفعاليتها من جهة ، وموجبات حماية السيادة الوطنية والاقتصاد الوطني من جهة اخرى .

وبناء هكذا استراتيجية يتعين ان يعتمد على خبرات وكفاءات بحثية وعلمية وعملية من مختلف القطاعات تحقق القدرة على الاحاطة بمختلف ابعاد المسألة ، القانونية والفنية والادارية ، وهو اطار يجيد معرفة الواقع ويتميز بسعة الاطلاع على عالم ما وراء الحدود ، فيستفيد من الانشطة المتخذة في دول اخرى وفي النظم المقارنة دون ان يغفل الخصائص الذاتية للمجتمع المحلي وللاطار الاقليمي الذي تتبع له الدولة .

فاذا تحقق وجود مثل هذه الاستراتيجية كان من الواجب ان ننتقل الى اليات تنفيذها ، وهو ما يستتبع استثمار كل جهد او اطار وطني وعربي وعالمي ، وتنفيذ الاستراتيجيات يتحقق لاتخاذ التدابير التشريعية القوانين او الانظمة او التعليمات ) وابرام اتفاقيات التعاون الثنائية والاقليمية والدولية ، وتنفيذ برامج التوعية العامة ، وتنفيذ برامج التأهيل والتدريب للاشخاص والجهات التي تنيط به الاستراتيجية مهمة المكافحة او الرقابة على الانشطة المالية او مهمة الاخبار عن الانشطة المشكوك بها ، ويمثل الاطار التدريبي والتأهيلي احد اهم روافع فعالية انشطة المكافحة ، فلا قيمة للتدليل الارشادي النظري او للاستراتيجية المفرغة على الاوراق او للقوانين المحفوظة بين دفتي كتاب اذا لم تتحقق للمرتبطين بها قدرة التنفيذ العملي لمحتواها ، ويتمتد التدريب الى موظفي المؤسسات المالية والمصرفية بمختلف مراتبهم ووظائفهم والى جهات الضابطة العدلية والقضائي والقانون والى الجهات الحكومية وجهات القطاع الخاص في ان معا .

عندما كان الاستيلاء على المال هدف لعصابات السطو ، سؤل احد اشهر مجرمي عمليات السطو في امريكا عن سبب استهدافه للبنوك ، فقال انه هناك توجد النقود ، ومع تغيير النمط الجرمي من عمليات السطو التقليدية الى جرائم اصحاب الياقات البيضاء وتحديدا الجرائم الاقتصادية وجرائم الكمبيوتر ، سؤل احد اشهر ( الهاكرز) عن سبب استهدافه البنوك ايضا ، فقال انها مخزن للبيانات المالية ، ولو عاد الزمان وسألنا ال كابون عن سبب استهدافه المصارف في انشطة غسيل اموال المافيا لقال انها المدخل الى دمج المال القذر بالاموال المشروعة .

. الاستراتيجيات المصرفية لمكافحة جرائم غسيل الاموال

· سلوكيات لازمة لمواجهة خطر غسيل الاموال

لدى المصارف عادة ادلة توجيهية بشان انشطة غسيل الاموال والمسائل المتعين ملاحظتها وايلاؤها الاهتمام واخضاعها لمزيد من الفحص والتدقيق عند حصولها من قبل احد الزبائن ، ومهم الاشارة هنا ان هذه الادلة التوجيهية التي تصدر عن منظمات وهيئات مصرفية وتنظيمية وقانونية لا تتضمن عادة كافة الانشطة والوسائل نظرا لتسارع وتنامي وتغير انشطة غسيل الاموال الجرمية ، ونظرا ايضا لان هذه الادلة لا تكون بعيدة ايضا عن ايدي غاسلي الاموال ومنظماتهم الجرمية .وليس المقام لاعادة استعراض هذه القواعد والتوجيهات فهي متوفرة بين ايدي المصرفيين ، لكننا نقف على اكثر السلوكيات اهمية في سياسة الحماية من غسيل الاموال خاصة تلك التي تظهر في البيئة المصرفية العربية اكثر من غيرها .

· لا تهاون في التثبت من شخص العميل وخاصة الاشخاص المعنوية

اول واهم عنصر من عناصر ضمان عدم الوقوع في منزلقات انشطة غسيل الاموال ، عدم تهاون المصرف في التوثق من شخص العميل وتحديدا لدى بدء التعامل ، واذا كانت المصارف العربية تولي اهتماما بشان الاشخاص الطبيعية فان اهتمامها ليس بذات القدر بشان الاشخاص المعنوية وتحديدا الشركات والمؤسسات والجمعيات ، مع ان الخطر في الغالب قد يكون لدى هذه الفئة ، ان الشركات الوهمية او مؤسسات وشركات وجمعيات المواجهة احد اهم وسائل غاسلي الاموال ، وقد لوحظ في السنوات الاخيرة اتجاه عريض نحو فتح حسابات لشركات اجنبية غير مقيمة او لشركات اشخاص ( وطنيين ) منشاة في الخارج او المناطق الحرة او غيرها بالاكتفاء بوثائق غير كافية لمعرفة البنك لعمياه بالشكل المطلوب ، والاخطر التجاوز في احيان كثيرة عن عناصر هامة للتوثق ، صحيح ان البنوك تتطلب وثائق مصدقة ، لكن كثيرا من السلوكيات تتجاوز اهمية التوثق من حقيقة وجود الشخص المعنوي ، مكتفية بالظاهر غالبا ، مع ان اهم ما دربت عليه المؤسسات المصرفية ان معرفة الزبون تتطلب معرفة سياسة عمله ونطاق نشاطه وليس معرفة شخصه فحسب .

· الحذر من العميل الذي يخفي المعلومات او يقدم معلومات غير كافية

هذه القاعدة تعرفها المؤسسات المصرفية ، لكنها في الحقيقة وفي الواقع العملي متجاوز عنها كثيرا ، لقد اظهرت الدراسات التحليلية لتقارير انشطة غسيل الاموال العالمية ان اكبر صفقات غسيل الاموال كان يمكن كشفها من قبل البنك بمجرد ملاحقة ما يظهر من عدمك دقة العميل في تزويد البنك بالمعلومات ، سواء المتعلقة بشخصه او عمله او نشاطه ، وليس معنى ذلك ان الزبون المتحفظ محل للشك ، لكننا هنا نقف امام ملاحظة قد تمثل مدخلا اساسيا للحماية ، فالزبون الممتنع عن تزويد معلومات بخصوص غرض العمل و عناصر الائتمان او عن مراكز العمل او غيرها مما تتطلبه الاعمال والخدمات المصرفية قد يخفي حقيقة ما تستلزم سيرها والتوقف عندها .

· نشاطات غسيل الاموال عادة ما تغاير الانشطة التي من اجلها بدا التعامل

تنبه الادلة الارشادية عادة الى وجوب اخذ الحذر من تغير انشطة الزبائن ومن الانشطة التي لا تتلاءم مع اعمالهم الاعتيادية ، وتتطلب التدقيق فيها ، وهذه في الحقيقة مشكلة في البيئة العربية ، البيئة التي يسعى ذوي المال فيها الى اصطياد كل فرصة لتحقيق الدخل بسبب عدم وضوح معالم الانشطة الاستثمارية وتارجح المشاريع بين الفشل والنجاح واتجاهات التغيير، لكن هذا الواقع لا يمنع البنك من الوقوف على انشطة زبونه ، مثل ورود او صدور حوالات - خاصة بالوسائل الالكترونية - بمبالغ كبيرة دون وضوح مصدرها او من مصدر لا يتواءم مع طبيعة نشاط العميل ، او اتجاه العميل الى تمويل صفقات او مشاريع بشكل مفاجيء تغاير انشطته التمويلية.

· اعتماد سياسة التقارير الدورية حول النشاط المصرفي وتحليل مخرجاتها .

تعلم البنوك ان ثمة عددا كبيرا من التقارير تستوجبها انشطة الاشراف على العمل المصرفي واخرى تتطلبها الادلة التوجيهية لمكافحة غسيل الاموال ، ويلاحظ في البيئة العربية انه وان كان ثمة التزام بتنظيم هذه التقارير بانواعها لكن ثمة ايضا استهانة بسياسات تحليلها واستظهار النتائج منها ومواصلة قراءة التغيرات الواقعية بين تغيير واخر ، وفي هذا الاطار فان تقارير الايداعات والسحوبات وتقارير النقد الخارجي والمقاصة وتقارير الحوالات مع بيان مصادرها وتحديدا البنك الاول الذي استلم النقد من العميل ، وتقارير الائتمان والاقراض وغيرها تساهم فيحال قراءتها المتفحصة التحليلية من المصرفيين الخبراء على كشف العمليات المريبة وعلى الاقل تحديد الموضع الذي يحتاج توثيقا وفحصا اكثر من غيره ومن ثم التحرك الفوري اذا ماتبين وجود فعل غير مشروع .

هذه السلوكيات الادبية ، حزء يسير مما تتضمنه عادة الادلة التوجيهية الموجودة بين ايدي المصرفيين ، لكن التساؤل ، لماذا هذه السلوكيات الاربعة دون غيرها ؟ انها مسالة تتصل بما يظهره واقع النشاط المصرفي العربي ، اذ قد لا تكون السلوكيات الاخرى ذات اثر في ظل رقابة البنك الداخلية وفي ظل سياساته العملية وكذلك في ظل انشطة الاشراف والرقابة من البنك المركزي .








المراجع
· المشعل، خالد، جرائم غسيل الأموال: المفهوم، الأسباب والآثار الاقتصادية. بحث منشور في مجلة جامعة الإمام محمد بن سعود الاسلامية العدد (30) عام 1421هـ
· الاساليب المستحدثة في غسيل الاموال وكيفية التغلب عليها، بحث مقدم في الحلقة العلمية المعنونة بـ ( القواعد التنظيمية لمكافحة المخدرات وغسل الاموال) المنامة – البحرين ( شوال 1425).
· الرسالة التي تقدم بها باحث الدكتوراه عبدالله بن ثنيان الثنيان تحت عنوان (أحكام غسل الأموال - دراسة مقارنة بين نظام مكافحة غسل الأموال السعودي والانظمة والاتفاقيات الدولية
· نظام مكافحة غسل الأموال الصادر بالمرسوم الملكي رقم م/39 في25/6/1424
· جرائم غسيل الاموال المحامي يونس عرب دراسة في ماهية ومخاطر جرائم غسيل الاموال والاتجاهات الدولية لمكافحتها وبيان بخطط المصارف لمواجهة هذه الجرائم
· الطرق الحكيمة في السياسة الشرعية لابن قيم الجوزية ص4 ، ط1 ، 1415هـ نشر دار الكتب العلمية بيروت .
· السياسة الشرعية تأليف تقي الدين أحمد بن عبد الحليم بن تيمية ص40 طبع ونشر وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد .
· الذيل على طبقات الحنابلة
· .الدرر الكامنة
· شذرات الذهب .
· ومعجم المؤلفين
· جرائم غسل الأموال في ضوء الشريعة والقانون
· اجراءات التحقيق في جريمة غسل الأموال في المملكة العربية السعودية مشعل بن عبد الله العتيبي
· أثر السرية المصرفية على مكافحة جرائم غسل الأموال , العتيبي سعود ذياب
· فاعلية إدارة التحريات والبحث الجنائي بالأمن العام في مكافحة جرائم غسل الأموال
· فاعلية التنسيق بين الأجهزة الأمنية ومؤسسة النقد العربي السعودي في مكافحة جرائم غسل الأموال
· جريمة غسل الأموال في النظام السعودي والإتفاقيات الدولية





[1] دليل اللجنة الأوربية لغسيل الأموال
[2] نظام مكافحة غسل الأموال الصادر بالمرسوم الملكي رقم م/39 في25/6/1424
1- السياسة الشرعية تأليف تقي الدين أحمد بن عبد الحليم بن تيمية ص40 طبع ونشر وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد .
1- هو أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب الزرعي ثم الدمشقي الحنبلي من فقهاء الحنابلة وأصوليهم ومجتهديهم البارزين وكان إلى جانب ذلك مفسراً ومتكلماً ونحوياً ومحدثاً ومشاركاً في علوم كثيرة . لازم الإمام ابن تيمية وأخذ عنه وسجن معه في قلعة دمشق توفي سنة 751هـ ودفن في سفح جبل قاسيون بدمشق .
من مؤلفاته :
(أعلام الموقعين عن رب العالمين ) و ( زاد المعاد في هدي خير العباد ) و ( إغاثة اللهفان من مكايد الشيطان ) و ( الطرق الحكمية ) وكتبه كثيرة تعد بالمئات .
راجع ترجمته :
1- الذيل على طبقات الحنابلة ( 2/447 ) .
2- والدرر الكامنة ( 5/137 ) .
3- وشذرات الذهب ( 6/168 ) .
4- ومعجم المؤلفين ( 9/106 ) .
2- الطرق الحكيمة في السياسة الشرعية لابن قيم الجوزية ص4 ، ط1 ، 1415هـ نشر دار الكتب العلمية بيروت .
[6] جرائم غسيل الأموال المحامي يونس عرب دراسة في ماهية ومخاطر جرائم غسيل الأموال والاتجاهات الدولية لمكافحتها وبيان بخطط المصارف لمواجهة هذه الجرائم
[7] نظام مكافحة المخدرات والمؤثرات العقلية الصادر بالمرسوم الملكي رقم(م/39) في 8/7/1426هـ
[8] نظام مكافحة المخدرات والمؤثرات العقلية الصادر بالمرسوم الملكي رقم(م/39) في 8/7/1426هـ
[9] نظام مكافحة غسل الأموال الصادر بالمرسوم الملكي رقم م/39 في25/6/1424
[10]نظام مكافحة التزوير الصادر بالمرسوم الملكي رقم (114)في 26/11/1380هـ